تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
( البقرة 214 ) . ولو أنك جهدت في أن تضع كلمة مكانها ما استطاعت أن تؤدى معنى هذا الاضطراب النفسي العنيف . وقد تحدثنا فيما مضى عن جمال التعبير في قوله تعالى :
يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
( البقرة 27 ) . وقوله سبحانه :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
( البقرة 7 ) . وقد يستمر القرآن في رسم الصورة المحسوسة بما يزيدها قوة تمكّن لها في النفس ، كما ترى ذلك في قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
( البقرة 16 ) . فقد أكمل صورة الشراء بالحديث عن ربح التجارة والاهتداء في تصريف شؤونها . وقد يحتاج المرء إلى تريث يدرك به روعة التعبير ، كما تجد ذلك في قوله تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
( النحل 112 ) . فقد يبدو أن المناسبة تقضى أن يقال : فألبسها اللّه لباس الجوع ، ولكن إيثار الذوق هنا ؛ لأن الجوع يشعر به ويذاق ، وصح أن يكون للجوع لباس ؛ لأن الجوع يكسو صاحبه بثياب الهزال والضنى والشحوب . وقد يشتد وضوح الأمر المعنوي في النفس ، ويقوى لديها قوة تسمح بأن يكون أصلا يقاس عليه ، كما ترى ذلك في قوله سبحانه :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
( الحاقة 11 ) . فهنا كان الطغيان المؤذن بالثورة والفوران أصلا يشبه به خروج الماء عن حده ، لما فيه من فورة واضطراب ، وعلى هذا النسق جاء قوله تعالى :
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
( الحاقة 6 ) . فهذه الريح المدمرة يشبه خروجها عن حدها العتوّ والجبروت . وقد يجسم القرآن المعنى ، ويهب للجماد العقل والحياة ، زيادة في تصوير المعنى وتمثيله للنفس ، وذلك بعض ما يعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية ، ومن أروع هذا التجسيم قوله سبحانه :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ
( الأعراف 154 ) . ألا تحس بالغضب هنا وكأنه إنسان يدفع موسى ويحثه على الانفعال والثورة ، ثم سكت وكفّ عن دفع موسى وتحريضه ، ومن تعقيل الجماد قوله سبحانه :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
( فصلت 11 ) . وفي ذلك التعبير ما يدل على خضوعهما واستسلامهما ، وقوله سبحانه :
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ
( الكهف 77 ) . وكأنما الجدار لشدة وهنه