( نبذ ) ، فضلا عن أنها تدل على الترك ، توحى إلى نفس القارئ معنى الإهمال والاحتقار ، لأن الذي ( ينبذ ) وراء الظهر إنما هو الحقير المهمل . وقوله تعالى :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
« 1 »
فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
( الأنبياء 18 ) . فكلمة القذف توحى بهذه القوة التي يهبط بها الحق على الباطل ، وكلمة
فَيَدْمَغُهُ
توحى بتلك المعركة التي تنشب بين الحق والباطل ، حتى يصيب رأسه ويحطمه ، فلا يلبث أن يموت وتأمل قوة التعبير بالظلمات والنور يراد بهما الكفر والإيمان ، في قوله تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
( إبراهيم 1 ) . وجمع الظلمات يصور لك إلى أي مدى ينبهم الطريق أمام الضال ، فلا يهتدى إلى الحق ، وسط هذا الظلام المتراكم .
ومن ذلك قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
( البقرة 237 ) . فإنك تشعر في كلمة العقدة بهذا الربط القلبي ، الذي يربط بين قلبي الزوجين . ويطول بي القول إذا أنا وقفت عند كل استعارة ، من هذا اللون وحسبي أن أشير إلى بعض نماذجه كقوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
( الحجر 94 ) . فكلمة الصدع بمعنى الجهر توحى بما سيكون من أثر هذه الدعوة الجديدة ، من أنها ستشق طريقها إلى القلوب وتحدث في النفوس أثرا قويّا ، وقوله تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
( آل عمران 103 ) . فأي صلة متينة ذلك الدين الذي يربطك باللّه ، يثير هذا المعنى في نفسك هذا التعبير القوى المصور : حبل اللّه .
وقوله تعالى :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ
( 225 ) ( الشعراء 224 ، 225 ) . وقوله تعالى :
لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً
( آل عمران 99 ) . وقوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
( الأنعام 68 ) . وتأمل جمال
أَفْرِغْ
في قوله سبحانه :
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
( الأعراف 126 ) . وما يثيره في نفسك من الطمأنينة التي يحس بها من هدأ جسمه بماء يلقى عليه ، وهذه الراحة تشبهها تلك الراحة النفسية ، ينالها من منح هبة الصبر الجميل ، ومن الدقة القرآنية في استخدام الألفاظ المستعارة أنه استخدم
أَفْرِغْ
وهي توحى باللين والرفق وعند حديثه عن الصبر ، وهو من رحمته ، فإذا جاء إلى العذاب استخدم كلمة ( صب ) فقال :
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
( الفجر 13 ) . وهي مؤذنة بالشدة والقوة معا .
وتأمل كذلك قوة كلمة
زُلْزِلُوا
في قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
هامش
( 1 ) يصيب دماغه بالضرب .