الاستعارة ، ظانا أنه بذلك قد أدى ما عليه ، من بيان الجمال الفنى في هذا اللون من التصوير ، ولم أر إلا ما ندر من وقوف بعضهم يتأمل بعض هذه اللمحات الفنية المؤثرة ، وليس مثل هذه الدراسة بمجد في تذوق الجمال وإدراك أسراره ، ومن الخير أن نتبين الأسرار التي دعت إلى إيثار الاستعارة على الكلمة الحقيقة .
وإذا أنت مضيت إلى الألفاظ المستعارة رأيتها من هذا النوع الموحى ؛ لأنها أصدق أداة تجعل القارئ يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه ، وتصور المنظر للعين ، وتنقل الصوت للأذن ، وتجعل الأمر المعنوي ملموسا محسّا ، وحسبي أن أقف عند بعض هذه الألفاظ المستعارة الموحية ، نتبين سر اختيارها :
قال سبحانه :
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً
( الكهف 99 ) . فكلمة
يَمُوجُ
لا تقف عند حد استعارتها لمعنى « الاضطراب » بل إنها تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس ، احتشادا ألا تدرك العين مداه ، حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر ، ترى العين منه ما تراه في البحر الزاخر من حركة وتموّج واضطراب ، ولا تأتى كلمة
يَمُوجُ
إلا موحية بهذا المعنى ، ودالة عليه . وقال سبحانه :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
( مريم 4 ) . وهنا لا تقف كلمة
اشْتَعَلَ
عند معنى انتشر فحسب ، ولكنها تحمل معنى دبيب الشيب في الرأس في بطء وثبات ، كما تدب النار في الفحم مبطئة ، ولكن في دأب واستمرار ، حتى إذا تمكنت من الوقود اشتعلت في قوة لا تبقى ولا تذر ، كما يحرق الشيب ما يجاوره من شعر الشباب ، حتى لا يذر شيئا إلا التهمه ، وأتى عليه ، وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس ما يوحى بهذا الشمول الذي التهم كل شئ في الرأس . وقد تحدثنا فيما مضى عما توحى به كلمة تنفس ، من إثارة معنى الحياة التي تغمر الكون عند مطلع الفجر .
وقال تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
( يس 37 ) . فكلمة
نَسْلَخُ
تصور للعين انحسار الضوء عن الكون قليلا قليلا ، ودبيب الظلام إلى هذا الكون في بطء ، حتى إذا تراجع الضوء ظهر ما كان مختفيا من ظلمة الليل . وقال تعالى :
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
( 42 ) ( الذاريات 41 ، 42 ) .
ففي العقم ما يحمل إلى النفس معنى الإجداب الذي تحمله الريح معها .
وكثر في القرآن أخذ الكلمات الموضوعة للأمور المحسوسة ، يدل بها على معقول معنوي ، يصير به كأنه ملموس مرئى ، فضلا عن إيحاءات الكلمة إلى النفس ، خذ مثلا قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
( آل عمران 187 ) . ألا ترى أن كلمة