تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
والصواب هو ذلك ، ولعل السر في المجيء بكاف التشبيه هنا هو بيان تمام المطابقة بين الحقيقة الخارجية والحقيقة الكلامية ، أي إن ما يكون في الواقع يطابق ما دل عليه الكلام . تفيد
كَذلِكَ
التحقيق إذا كوّنت هي ومبتدؤها جملة مستقلة ، كما في الآيتين السالفتين وما على شاكلتهما ، وتفيد التحقيق وتأكيد الجملة في غير هذا الموضع أيضا ، ويكثر ذلك عندما يليها فعل ماض ، كما في قوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 )
( الأنعام 122 ، 123 ) . فلا تجد للتشبيه موضعا في هذه الآية ، وإذا أنت حاولته وجدته لا يغنى في التصوير شيئا ، و
كَذلِكَ
هنا تؤدى معنى قد ، ولها أمثلة كثيرة في القرآن كقوله تعالى :
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 33 ) ( يونس 32 ، 33 ) . وقوله تعالى :
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ
( يونس 103 ) ، وقوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ( 29 ) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
( الرعد 29 ، 30 ) . وربما جاءت إفادتها للتحقيق ، من كثرة مجيئها لبيان التطابق ، واستعملت في لازم معناها الأصلي الذي تنوسى . واستعمال كذلك للتحقيق والتوكيد لا يقل عن استخدامها في التشبيه ، وكثير من المفسرين يتكلف جعلها في تلك المواضع أيضا للتشبيه ، فيتمحّل ، ويمضى في تأويلات لا نصيب لها من البلاغة وقوة الفن . ومما ذكرناه يبدو أن تلك العبارة لا تقف عند حد التشبيه ، بل لها هذه المعاني الثلاثة التي شرحناها .

التصوير بالاستعارة

اقتصر الأقدمون عندما تحدثوا عن الاستعارة في القرآن على ذكر أنواعها ، من استعارة محسوس لمحسوس بجامع محسوس أو بجامع عقلي ، ومن استعارة محسوس لمعقول ، ومن استعارة معقول لمعقول أو لمحسوس ، ومن استعارة تصريحية أو مكنية ، ومن مرشحة أو مجردة ، إلى غير ذلك من ألوان الاستعارة ، وهم يذكرون هذه الألوان ، ويحصون ما ورد في القرآن منها ، ويقفون عند ذلك فحسب ، وبعضهم يزيد فيجرى