كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
( 266 ) ( البقرة 265 ، 266 ) . فالمعنى على أن اللّه يبين الآيات ذلك البيان الجلىّ الواضح المؤثر ، لعله يثمر ثمرته فيدعو سامعيه إلى التفكير والتدبر . ذلك هو ما أفهمه من هذا التعبير ، ولا أفهم أنه يريد أن يبين آيات غير هذه الآيات بيانا يشبه بيان الآيات السالفة ، وإذا أنت حاولت عقد التشبيه على حقيقته رأيت فيه تفاهة وقلة غناء ؛ وخذ قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ
( الأعراف 40 ) . فليس المراد - على ما يظهر لي - أن المجرمين يجزون جزاء يشبه الجزاء الموصوف في الآية الكريمة ، وإنما يجزون هذا الجزاء نفسه ، من غلق أبواب السماء في وجوههم وأنهم لا يدخلون الجنة أبدا .
واقرأ قوله تعالى :
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ
( الأعراف 101 ) . تر المراد أن اللّه يطبع على قلوب الكافرين ذلك الطبع الذي يحول بينهم وبين الإيمان بما كذبوا من قبل ، وإذا أنت حاولت عقد تشبيه لم تجد فيه كبير غناء ، إذ يصير المعنى : يطبع اللّه على قلوب الكافرين طبعا يشبه طبعه على قلوب الكافرين ، وفي ذلك ما فيه من ضياع قيمة التشبيه .
فمن هذا يبدو أن التشبيه في هذه الآيات وأمثالها غير ملحوظ ، وإنما يراد توجيه النظر إلى ما سبق هذه الأداة فحسب ، وتأتى الكاف حينئذ إشارة إلى أن ما ذكر في الآيات وأشير إليه ، قد بلغ من الكمال مبلغا عظيما ، لدرجة أنه صار نموذجا كاملا ، يمكن أن يتخذ مثالا ، يشبه به سواه ، فقد أفادت الكاف بلوغ المعنى تمامه .
وتأتى
كَذلِكَ
أيضا لتحقيق المعنى وتثبيته ، ولا يبدو فيها التشبيه ، كما تجد ذلك في قوله تعالى :
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
( آل عمران 40 ) . وفي قوله تعالى :
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
( 21 ) ( مريم 20 ، 21 ) . ومحاولة خلق تشبيه من هذه العبارة لا يؤدى إلا إلى التكلف والتفاهة معا ، ويقدر بعض العلماء في مثل هذا التركيب أن كذلك خبر لمبتدأ محذوف تقديره الأمر كذلك ، ونحن نوافق على هذا التقدير ، وليس في كذلك تشبيه هنا ، وإنما المراد الأمر هو ما أخبرت به ، لا ريب فيه ، ومن
كَذلِكَ
هذه التي للتحقيق والتوكيد ، تولدت كلمة ( كده ) في اللغة العامية للدلالة على التحقيق أيضا ، ونحن نستخدمها في ذلك المعنى عندما نقول : الحق كذلك والصواب كذلك ، نريد الحق