تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ( 21 ) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ( 22 ) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ( 23 ) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ( 24 ) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ( 25 ) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ( 26 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 27 ) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ( 28 ) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 29 ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ( 30 ) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ( 31 ) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ( 32 ) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( 33 ) ( القلم 17 - 33 ) . أرأيت أصحاب هذه الجنة ، وقد أقسموا أن يستأثروا بثمر جنتهم ، وأن يجنوا ثمارها مبكرين في الصباح ، ولم يدر بخلدهم الاستعانة باللّه في عملهم ، وبينما هم يستعجلون قدوم الصباح ، ويحلمون بالثروة التي ستدرّها عليهم حديقتهم ، طاف على تلك الجنة طائف أباد ثمرها وهم نائمون ، وفي بكرة الصباح أسرع بعضهم ينادى بعضا أن الخير في البكور ، فانطلقوا لا تكاد تسمع لأقدامهم وقعا ، يتهامسون وهم يتحدثون ، كي لا يسمع مسكين صوتهم ، فيتبعهم ، ولقد وصلوا إلى حديقتهم ، واطمأنوا إلى أنهم سيقدرون على إحراز غلتها ، ومنع المساكين منها فما راعهم إلا أن وجدوا أشجارهم بلا ثمار ، وجنتهم جرداء مقفرة ، هنالك ملأ الندم قلوبهم ، وأخذ بعضهم يلوم بعضا ، يتحسرون على أمل قد ضاع ، وعلى ما اقترفوه من ظلم وطغيان ، أرأيت هذا العذاب الذي صار إليه هؤلاء القوم ، عذاب من فقد أمله وقد كان قريبا من يده ، وعذاب من يؤنبه ضميره على جرم اقترفه ، وقد رأى جزاءه أمام عينيه ، ألا ترى أن هذا العذاب النفسي الأليم جدير بأن يكون مثالا ينذر به اللّه كل من يتصرف تصرف أصحاب هذه الجنة . وهي أيضا للتشبيه في قوله سبحانه :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا
( النساء 94 ) . وقوله تعالى :
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
( الشعراء 74 ) . وما على نسق هذه الآيات مما تعقد فيه الكاف صلة بين أمرين . وتأتى كاف كذلك في كثير من الآيات بمعنى مثل في قولك : مثلك لا يكذب ، تريد أنت لا تكذب ، وفائدة مجىء مثل ، الإشارة إلى أن من له صفاتك لا يليق به أن يكذب ، تجد ذلك في مثل قوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
من بلاغة القرآن — صفحة 164 | احمد احمد بدوي