فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ( 21 ) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ( 22 ) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ( 23 ) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ( 24 ) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ( 25 ) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ( 26 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 27 ) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ( 28 ) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 29 ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ( 30 ) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ( 31 ) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ( 32 ) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( 33 ) ( القلم 17 - 33 ) . أرأيت أصحاب هذه الجنة ، وقد أقسموا أن يستأثروا بثمر جنتهم ، وأن يجنوا ثمارها مبكرين في الصباح ، ولم يدر بخلدهم الاستعانة باللّه في عملهم ، وبينما هم يستعجلون قدوم الصباح ، ويحلمون بالثروة التي ستدرّها عليهم حديقتهم ، طاف على تلك الجنة طائف أباد ثمرها وهم نائمون ، وفي بكرة الصباح أسرع بعضهم ينادى بعضا أن الخير في البكور ، فانطلقوا لا تكاد تسمع لأقدامهم وقعا ، يتهامسون وهم يتحدثون ، كي لا يسمع مسكين صوتهم ، فيتبعهم ، ولقد وصلوا إلى حديقتهم ، واطمأنوا إلى أنهم سيقدرون على إحراز غلتها ، ومنع المساكين منها فما راعهم إلا أن وجدوا أشجارهم بلا ثمار ، وجنتهم جرداء مقفرة ، هنالك ملأ الندم قلوبهم ، وأخذ بعضهم يلوم بعضا ، يتحسرون على أمل قد ضاع ، وعلى ما اقترفوه من ظلم وطغيان ، أرأيت هذا العذاب الذي صار إليه هؤلاء القوم ، عذاب من فقد أمله وقد كان قريبا من يده ، وعذاب من يؤنبه ضميره على جرم اقترفه ، وقد رأى جزاءه أمام عينيه ، ألا ترى أن هذا العذاب النفسي الأليم جدير بأن يكون مثالا ينذر به اللّه كل من يتصرف تصرف أصحاب هذه الجنة .
وهي أيضا للتشبيه في قوله سبحانه :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا
( النساء 94 ) . وقوله تعالى :
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
( الشعراء 74 ) .
وما على نسق هذه الآيات مما تعقد فيه الكاف صلة بين أمرين .
وتأتى كاف كذلك في كثير من الآيات بمعنى مثل في قولك : مثلك لا يكذب ، تريد أنت لا تكذب ، وفائدة مجىء مثل ، الإشارة إلى أن من له صفاتك لا يليق به أن يكذب ، تجد ذلك في مثل قوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ