تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وقد تأتى الكاف وسيلة للإيضاح ، وتقوم هي وما بعدها مقام المثال للقاعدة ، وغير خاف ما للمثل يضرب من التأثير والإقناع ، ومن ذلك قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
( 11 ) ( آل عمران 10 ، 11 ) ، فجاء بآل فرعون مثالا لأولئك الذين لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئا ، ومن كاف الإيضاح قوله سبحانه :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ
، وقوله :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي
.

« كذلك » في القرآن الكريم

وردت « كذلك » في القرآن الكريم ، في أكثر من مائة موضع ، ولوجود الكاف . وهي للتشبيه فيها ، ظن كثير من العلماء أنها لا تكون إلا للتشبيه ، ومضى في كل آية ورد فيها هذا التعبير ، يبين التشبيه في الجملة ، وفي كثير من الأحيان لا يبدو معنى التشبيه واضحا ، فيتلمس مقوماته ، ويتكلف تفسيره تكلفا يوحى بضآلة هذا التشبيه ، وأنه لم يزد المعنى جلاء ، وهو الغرض الأول من التشبيه . وقد تتبعت هذه العبارة فيما وردت فيه من الآيات فوجدتها أكثر ما تأتى لمعان ثلاثة : أولها التشبيه ، وذلك عندما يراد عقد الصلة بين أمرين ، ولمح ما بينهما من ارتباط ، وهنا يؤدى التشبيه رسالته في إيضاح المعنى وتوطيده في النفس ، تجد ذلك في قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( الأعراف 57 ) . فالصلة وثيقة بين بعث الحياة في الموتى وبين بعث الحياة في الأرض الميتة ، فتنبت من كل الثمرات ، وإن فيما نراه بأعيننا من هذه الظاهرة الطبيعية التي نشاهدها في كل حين ، إذ نرى أرضا ميتة لا حياة فيها ، ثم لا يلبث السحاب الثقال أن يفرغ عليها مطره ، فلا تلبث أن تزدهر وتخرج من كل زوج بهيج ، إن في ذلك لما يبعث في النفس الاطمئنان إلى فكرة البعث ، والإيمان بها ، فلا جرم ، انعقد التشبيه بين البعثين ، وزاد التشبيه الفكرة جلاء . واقرأ قوله تعالى :
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ( 17 ) وَلا يَسْتَثْنُونَ ( 18 ) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ ( 19 ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ( 20 )
من بلاغة القرآن — صفحة 163 | احمد احمد بدوي