الرائي صالحا للزرع والإنبات ، ولكن وابل المطر لم يلبث أن أزال هذه القشرة فبدا الحجر على حقيقته ، صلدا لا يستطيع أحد أن يجد فيه موضع خصب ، ولا تربة صالحة للزراعة ، ألا ترى في اختيار كلمة الصفوان هنا ما يمثل لك هذا القلب الخالي من الشعور الإنسانى النبيل ، والعطف على أبناء جنسه عطفا ينبع من شعور حي صادق ، ولكن الصدقة تغطيه بثوب رقيق حتى يخاله الرائي ، قلبا ينبض بحب الإنسانية ، ويبنى عليه كبار الآمال فيما سوف يقدمه للمجتمع من خير ، ولكن الرياء والمن والأذى لا تلبث أن تزيل هذا الغشاء الرقيق ، فيظهر القلب على حقيقته قاسيا صلبا لا يلين .
- 6 - وتأتى الكاف في القرآن أحيانا لا لهذا التشبيه الفنى الخالص ، بل لإيقاع التساوي بين أمرين ، ومن أمثلة هذا الباب قوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 68 ) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
( 69 ) ( التوبة 68 ، 69 ) . وقوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ( 15 ) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا
( 16 ) ( المزمل 15 ، 16 ) . فهو يعقد موازنة بينهم وبين من سبقهم ، ويبين لهم الوجوه التي يتفقون فيها معهم ، ولا ينسى أن يذكر ما أصاب سابقيهم ، وإلى هنا يقف ، تاركا لهم أن يصلوا بأنفسهم إلى ما ينتظرهم من العواقب ، وإنها لطريقة مؤثرة في النفس حقّا ، أن تضع لها شبيها ، وتتركها تصل بنفسها إلى النتيجة في سكينة وهدوء ، لا أن تقذف بها في وجهها ، فربما تتمرد وتثور .
ومن كاف التساوي أيضا قوله تعالى :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
( النساء 163 ) . وقد يلمح في ذلك الرغبة في إزالة الغرابة عن نفوس السامعين ، واستبعادهم نزول الوحي على الرسول ، فالقرآن يقرنه بمن لا يشكّون في رسالته ، ليأنسوا بدعوة النبي ، وقد يكون في هذا التساوي مثار للتهكم ، كما في قوله تعالى :
لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ
( الأنعام 94 ) . أو مثار للاستنكار ، كما في قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ
( العنكبوت 10 ) . فسر الاستنكار كما ترى هو تسوية عذاب الناس بعذاب اللّه .