ومن ذلك ترى أن ما ورد في القرآن من طباق ومقابلة لم يجئ اعتسافا ، وإنما جاء المعنى مصورا في هذه الألفاظ ، التي أدت المعنى خير أداء وأوفاه ، وكان منها هذا الطباق والمقابلة .
ومن ألوان البديع العكس بأن يقدم في الكلام جزء ، ويؤخر آخر ، ثم يقدم المؤخر ويؤخر المقدم ، وجمال العكس في أنه يربط بين أمرين ، ويعقد بينهما أوثق الصلات أو أشد ألوان النفور ، تجد ذلك في قوله سبحانه :
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
( الحج 61 ) . وقوله تعالى :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
( يونس 31 ) . وقوله سبحانه :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
( البقرة 187 ) . وقوله تعالى :
لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
( الممتحنة 10 ) . وقوله تعالى :
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
( الأنعام 52 ) .
ومن أجمل أنواعه ائتلاف المعنى مع المعنى بذكر الأمور المتناسبة بعضها إلى جانب بعض ، كقوله سبحانه :
قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
( يوسف 86 ) . وقد يخفى في بعض الأحيان وجه الجمع بين المعنيين ، كما في قوله سبحانه :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
( 119 ) ( طه 118 ، 119 ) ، فقد يبدو أن الوجه الجمع بين الجوع والظمأ ، والعرى والضحاء ، ولكن التأمل الهادئ يدل على أن الجوع والعرى يسببان الشعور بالبرد فجمعا معا ، والظمأ والضحاء يسببان الشعور بالحر ، إذ الأول يبعث التهاب الجوف ، والثاني يلهب الجلد ، فناسب ذلك الجمع بينهما .
هذا ولست أرمى هنا إلى حصر ما عثر عليه العلماء من ألوان البديع في القرآن ، فقد تكفل بذلك غيرى ، وأفرد ابن أبي الإصبع لذلك كتابا عدّد فيه هذه الألوان ومثّل لها ، وذكر من ذلك أكثر من مائة نوع ، وكل ما قصدت إليه هو بيان أن ما نشعر به من جمال لفظي حينا ومعنوي حينا آخر ، لم يأت إلا من أن اللفظة القرآنية قد استدعاها المعنى ، ولم يكن ثمة لفظة أخرى تغنى غناءها ، فلما استقرت في مكانها زاد بها الكلام إشراقا ، والمعنى وضوحا وجلاء .
* * *