ويراد به نور العين الذي تميز بين الأشياء وكلمة
الْأَبْصارِ
الثانية جمع بصر بمعنى العين ، ولكن كلمة
الْأَبْصارِ
هنا أدل على المعنى المراد من كلمة ( العيون ) ، لما أنها تدل على ما منحته العين من وظيفة الإبصار ، وهي التي بها العظة والاعتبار ، فأنت ذا ترى أن أداء المعنى كاملا ، تطلب إيراد هذه الكلمة ، حتى إذا وردت رأينا هذا التناسق اللفظي .
واقرأ قوله تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
( الروم 55 ) . فكلمة ( الساعة ) الأولى جئ بها دالة على يوم القيامة ، واختير لذلك اليوم هذا الاسم هنا ؛ للدلالة على معنى المفاجأة والسرعة ، وكلمة
ساعَةٍ
الثانية تعبر أدق تعبير عن شعور هؤلاء المجرمين ، فهم لا يحسون أنهم قضوا في حياتهم الدنيا برهة قصيرة الأمد جدّا ، حتى يعبروا عنها ببرهة أو دقيقة مثلا ، ولا بفترة طويلة ، يعبرون عنها بيوم مثلا ، فكانت كلمة ( ساعة ) خير معبر عن شعورهم بهذا الوقت الوجيز .
وما ورد في القرآن من جناس ناقص ، فسبيله سبيل الجناس التام ، وانظر إلى قوله تعالى :
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( الأنعام 26 ) .
ألا ترى أن موقف الكفار من القرآن ، أنهم يبعدون الناس عنه ، كما يبعدون أنفسهم عنه ، فعبر القرآن عن ذلك بكلمتين متقاربتين ليشعر قربهما بقرب معنييهما .
ويطول بي القول إذا أنا مضيت في بيان كيف حلت كل كلمة في جمل الجناس محلها ، بحيث لا تغنى كلمة أخرى في هذا الوضع غناءها ، وحسبي أن أشير إلى تلك الآيات ، التي ورد فيها ما كون بعض ألوان من الجناس ، مثل قوله تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
( 10 ) ( الضحى 9 ، 10 ) . وقوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 ) ( القيامة 22 ، 23 ) . وقوله :
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
( 30 ) ( القيامة 29 ، 30 ) . وقوله سبحانه :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ( 72 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
( 73 ) ( الصافات 72 ، 73 ) .
فأنت ترى النهى عن القهر جاء إلى جانب اليتيم ، بمعنى الغلبة عليه والاستيلاء على ماله ، وأما السائل فقد نهى عن نهره وإذلاله ، فكلتا الكلمتين جاءت في موضعها الدقيق ، كما وردت كلمتا ( ناظرة وناضرة ) أي مشرقة ، وإشراقها من نظرها إلى ربها ، وقد توازنت الكلمتان في جملتيهما لما بينهما من صلة السبب بالمسبب . واختيار كلمة
الْمَساقُ
في الآية الثانية لتصور هذه الرحلة التي ينتقل فيها المرء من الدنيا إلى الآخرة ، فكأنه سوق مسافر ينتهى به السفر إلى اللّه . وفي كلمة المنذرين ما يشير إلى الربط بينهم وبين المنذرين الذين أرسلوا إليهم .