وقل مثل ذلك في قوله تعالى :
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ
( الهمزة 1 ) . فإن شدة التشابه بين الكلمتين توحى بالقرابة بينهما ، مما يجعل إحداهما مؤكدة للأخرى فالهمزة المغتاب ، واللمزة العياب ، فالصلة بينهما وثقى ، كالصلة بين الفرح والمرح في قوله تعالى :
ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ
( غافر 75 ) .
وإيثار كلمة النبأ في قوله سبحانه :
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
( النمل 22 ) . لما فيها من معنى القوة ؛ لأن هذه المادة تدل على الارتفاع والنتوء والبروز والظهور ، فناسب مجيئها هنا ، ووصف النبأ تأكيدا لقوته باليقين .
ويعدون من أنواع البديع المشاكلة ، ويعنون بها ذكر الشيء بغير لفظه ، لوقوعه في صحبته ، ويمثلون لذلك بقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
( الشورى 40 ) . قالوا :
فالجزاء عن السيئة في الحقيقة غير سيئة ، والأصل وجزاء سيئة عقوبة مثلها .
وبقوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
( آل عمران 54 ) . والأصل أخذهم بمكرهم . وبقوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
( البقرة 194 ) . قالوا : والمراد فعاقبوه ، فعدل عن هذا ؛ لأجل المشاكلة اللفظية . ولكنني أرى القرآن أجل من أن يسمى الشيء بغير اسمه لمجرد وقوعه في صحبته ، بل أرى هذا التعبير يحمل معنى ، وجئ به ليوحى إلى القارئ بما لا يستطيع أن يوحى به ولا أن يدل عليه ما قالوا إنه الأصل المعدول عنه ، فتسمية جزاء السيئة سيئة ؛ لأن العمل في نفسه سوء ، وهو يوحى بأن مقابلة الشر بالشر ، وإن كانت مباحة ، سيئة يجدر بالإنسان الكامل أن يترفع عنها ، وكأنه بذلك يشير إلى أن العفو أفضل وأولى ، وعلى هذا النسق تماما ورد قوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
( البقرة 194 ) . وأما مكر اللّه فأن يفعل بهم كما يفعل الماكر ، يمدهم في طغيانهم يعمهون ، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .
وعدوا من ألوان البديع الاستثناء ، ومثلوا له بقوله تعالى :
فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
( العنكبوت 14 ) . وفي هذا التعبير ، فضلا عن إيجازه ، إيحاء بطول المدة ، وتهويل للأمر على السامعين ، وفي ذلك تمهيد العذر لنوح في الدعاء على قومه ، وذلك لأن أول ما يطرق السمع ذكر الألف ، فتشعر بطول مدته ، وتتصور جهاد نوح في ذلك الزمن المديد ، ولن يقلل الاستثناء من شأن هذا التصور ، ولا يتحقق هذا الإحساس إذا بدأت بغير الألف .
ومنها اللف والنشر بذكر شيئين أو أكثر ، ثم ذكر ما يقابلها ، وفيه جمع للمتناسبات من غير فاصل بينها . خذ قوله تعالى :
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ