تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥

التشبيه في القرآن

- 1 - أرى واجبا علىّ قبل الحديث عن التشبيه في القرآن الكريم ، أن أتحدث قليلا عن بعض نظرات للأقدمين في هذا الباب ، لا أوافقهم عليها ، ولا أرى لها قيمة في التقدير الفنى السليم . فمما اعتمد عليه القدماء في عقد التشبيه العقل ، يجعلونه رابطا بين أمرين أو مفرّقا بينهما ، وأغفلوا في كثير من الأحيان وقع الشيء على النفس ، وشعورها به سرورا أو ألما ، وليس التشبيه في واقع الأمر سوى إدراك ما بين أمرين من صلة في وقعهما على النفس ، أما تبطن الأمور ، وإدراك الصلة التي يربطها العقل وحده فليس ذلك من التشبيه الفنى البليغ ، وعلى الأساس الذي أقاموه استجادوا قول ابن الرومي :
بذل الوعد للأخلاء سمحا * وأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف ، يورق للعين ، ويأبى الإثمار كل الإباء وجعلوا الجامع بين الأمرين جمال المنظر وتفاهة المخبر ، وهو جامع عقلي ، كما نرى ، لا يقوم عليه تشبيه فنى صحيح ، ذلك أن من يقف أمام شجرة الخلاف أو غيرها من الأشجار ، لا ينطبع في نفسه عند رؤيتها سوى جمالها ونضرة ورقها وحسن أزهارها ، ولا يخطر بباله أن يكون لتلك الشجرة الوارفة الظلال ثمر يجنيه أو لا يكون ، ولا يقلل من قيمتها لدى رائيها ، ولا يحط من جمالها وجلالها ، ألا يكون لها بعد ذلك ثمر شهى ، فإذا كانت تفاهة المخبر تقلل من شأن الرجل ذي المنظر الأنيق ، وتعكس صورته منتقصة في نفس رائيه ، فإن الشجرة لا يقلل من جمالها لدى النفس عدم إثمارها ، وبهذا اختلف الوقع لدى النفس بين المشبّه والمشبه به ، ولذلك لا يعد من التشبيه الفنى المقبول . وقبل الأقدمون من التشبيه ما عقدت الحواس الصلة بينهما ، وإن لم تعقدها النفس ، فاستجادوا مثل قول الشاعر يصف بنفسجا :
ولازورديّة تزهو بزرقتها * بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها * أوائل النار في أطراف كبريت