وتلمس شبه له بهذا الزّورق الفضي المثقل بحمولة العنبر ، مما يرفع من شأنه ، أو ينهض بهذا التّشبيه الذي لم يزدنا شعورا بجمال الهلال ، ولا أنسا برؤيته ، ولم يزد على أن وضع لنا إلى جانب الهلال الجميل صورة شوهاء متخيلة ، وأين الزورق الضخم من الهلال النحيل ، وإن شئت فوازن بين هذه الصورة التي رسمها ابن المعتز للهلال ، وتلك الصورة التي تعبر عن الإحساس البصري والشعور النفسي معا ، حينما تحدّث القرآن عن هذا الهلال ، فقال :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
( يس 39 ) . فهذا العرجون القديم أقدر على تصوير القمر كما تراه العين وكما تحسّ به النفس أكثر من تصوير الزورق الفضي له ، كما سنرى .
- 2 - التشبيه لمح صلة بين أمرين من حيث وقعهما النفسي ، وبه يوضح الفنان شعوره نحو شئ ما ، حتى يصبح واضحا وضوحا وجدانيّا ، وحتى يحس السامع بما أحس المتكلم به ، فهو ليس دلالة مجردة ، ولكنه دلالة فنية ، ذلك أنك تقول : ذاك رجل لا ينتفع بعلمه ، وليس فيما تقول سوى خبر مجرد عن شعورك نحو قبح هذا الرجل ، فإذا قلت إنه كالحمار يحمل أسفارا ، فقد وصفت لنا شعورك نحوه ، ودللت على احتقارك له وسخريتك منه .
والغرض من التشبيه هو الوضوح والتأثير ، ذلك أن المتفنن يدرك ما بين الأشياء من صلات يمكن أن يستعين بها في توضيح شعوره ، فهو يلمح وضاءة ونورا في شئ ما ، فيضعه بجانب آخر يلقى عليه ضوءا منه ، فهو مصباح يوضح هذا الإحساس الوجداني ، ويستطيع أن ينقله إلى السامع .
ليس من أغراض التشبيه إذا ما ذكره الأقدمون من « بيان أن وجود المشبه ممكن وذلك في كل أمر غريب يمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه » « 1 » . وقد استشهدوا على هذا الغرض بقول المتنبي :
فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال
وليس في هذا البيت تشبيه فنّى مقبول ، فليس الأثر الذي يحدثه المسك في النفس سوى الارتياح لرائحته الذكية ، ولا يمر بالخاطر أنه بعض دم الغزال ، بل إن هذا الخاطر إذا مرّ بالنفس قلّل من قيمة المسك ومن التّلذذ به ، وهذه الصورة التي جاء بها المتنبي ليوضح إحساسه نحو سموّ فرد على الأنام ، ليست قوية مضيئة ، تلقى أشعتها
هامش
( 1 ) الإيضاح ج 2 ص 34 .