تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
فليس ثمة ما يجمع بين البنفسج وعود الكبريت ، وقد بدأت النار تشتعل فيه ، سوى لون الزرقة التي لا تكاد تبدأ حتى تختفى في حمرة اللهب ، وفضلا عن التفاوت بين اللونين ، فهو في البنفسج شديد الزرقة ، وفي أوائل النار ضعيفها ، فضلا عن هذا التفاوت نجد الوقع النفسي للطرفين شديد التباين ، فزهرة البنفسج توحى إلى النفس بالهدوء والاستسلام وفقدان المقاومة ، وربما اتخذت لذلك رمزا للحب ، بينما أوائل النار في أطراف الكبريت تحمل إلى النفس معنى القوة واليقظة والمهاجمة ، ولا تكاد النفس تجد بينهما رابطا . كما استجادوا كذلك قول ابن المعتز :
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى * نطير غرابا ذا قوادم جون
قال صاحب الإيضاح : « شبه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصبح بأشخاص الغربان ، ثم شرط قوادم ريشها بيضاء ؛ لأن تلك الفرق من الظلمة تقع في حواشيها ، من حيث يلي معظم الصبح وعموده ، لمع نور ، يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض » . وهكذا لم ير ابن المعتز من الدجى وضوء الصباح سوى لونيها ، أما هذا الجلال الذي يشعر به في الدجى ، وتلك الحياة التي يوحى بها ضوء الصبح ، والتي عبّر القرآن عنها بقوله :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
( التكوير 18 ) . - فمما لم يحس به شاعرنا ، ولم يقدره نقادنا ، وأين من جلال هذا الكون الكبير ، ذرة تطير ؟ ! وقبلوا من التشبيه ما كان فيه المشبه به خياليّا ، توجد أجزاؤه في الخارج دون صورته المركبة ، ولا أتردد في وضع هذا التشبيه بعيدا عن دائرة الفن ؛ لأنه لا يحقق الهدف الفنى للتشبيه ، فكيف تلمح النفس صلة بين صورة ترى ، وصورة يجمع العقل أجزاءها من هنا وهنا ، وكيف يتخذ المتخيل مثالا لمحسوس مرئى ، وقبل الأقدمون لذلك قول الشاعر :
وكأن محمرّ الشقيق * إذا تصوّب أو تصعّد
أعلام ياقوت نشر * ن على رماح من زبرجد
ألا ترى أن هذه الأعلام من الياقوت المنشورة على رماح الزّبرجد ، لم تزدك عمق شعور بمحمر الشقيق ، بل لم ترسم لك صورته إذا كنت جاهله ، فما قيمة التشبيه إذا وما هدفه ؟ ! وسوف أتحدث عن الآية الكريمة التي فيها هذا اللون من التشبيه لندرك سره وقيمته . هذا ، ولن نقدّر التشبيه بنفاسة عناصره ، بل بقدرته على التصوير والتأثير ، فليس تشبيه ابن المعتز للهلال حين يقول :
انظر إليه كزورق من فضة * قد أثقلته حمولة من عنبر
من بلاغة القرآن — صفحة 146 | احمد احمد بدوي