تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
( القصص 73 ) . ألا ترى بين الليل والنهار مناسبة تجمع بينهما ، ثم يثير هذا تطلعا إلى معرفة السبب في أنهما من رحمته ، وفي ذلك عنصر التشويق ، وفي تقديم السكون على ابتغاء الفضل تقديم الاستعداد للجهاد في الحياة على الجهاد . وتأمل كذلك ما يثيره الإجمال من التشويق في قوله تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( آل عمران 106 ، 107 ) ، وفي الإجمال الأول إعطاء صورة سريعة لهذا اليوم ، ثم يعود بعدئذ إلى إكمال الصورة في تفصيل وإيضاح ، وربما يكون قد بدأ عندما فصل بذكر من اسودت وجوههم ، ليكون الحديث منتهيا بذكر طريقة الخلاص من عذاب ذلك اليوم . ومن اللف والنشر قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
( الإسراء 29 ) . والسر في الجمع أولا ذكر النهى عنه جملة واحدة ، ثم العود بعد ذلك لبيان سر هذا النهى . وما ورد في القرآن من طباق بالجمع بين المتضادين ، كانت الكلمة فيه مستقرة في مكانها تمام الاستقرار ، سواء كان التضاد لفظا أو معنى ، حقيقة أو مجازا ، إيجابا أو سلبا ، كقوله تعالى :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ
( 20 ) ( فاطر 19 ، 20 ) . فأنت تراه يعقد الموازنة بين هذين الضدين ولا مفر من الجمع بينهما في الجملة لعقد هذه الموازنة التي تبين عدم استوائهما . وكقوله تعالى :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
( 44 ) ( النجم 43 ، 44 ) ، وقوله سبحانه :
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ
( الكهف 18 ) . ومن الطباق السلبي قوله تعالى :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
( الزمر 9 ) . وقوله :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
( المائدة 44 ) . ومن الطباق المعنوي قوله تعالى :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ( 15 ) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
( 16 ) ( يس 15 ، 16 ) ، أي إنا لصادقون فإن الرسول يجب أن يكون صادقا . ومما يرتبط بالطباق المقابلة بأن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثمّ بما يقابل ذلك على الترتيب ، فمن الجمع بين الاثنين قوله تعالى :
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
( التوبة 82 ) . وبين الثلاثة قوله سبحانه :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
( الحديد 23 ) . وبين الأربعة قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
( 10 ) ( الليل 5 - 10 ) ، وهذه المقابلة بين المعاني تزيدها في الفكر وضوحا ، وفي النفس رسوخا .