تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
للتنويع ورفع التناقض ، وفي قوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
( 24 ) ( الحشر 23 ، 24 ) . فلما تضادت الصفات عطفت كما في قوله سبحانه :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
( الحديد 3 ) . وجاءت الواو في قوله سبحانه :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 )
( غافر 2 ، 3 ) . لأن الصفتين وهما غفران الذنوب وقبول التوبة تواردا على معنى واحد ، هو التجاوز عن الذنب ، فجاءت الواو بينهما مؤذنة بالتغاير ، ومشيرة إليه ، فاللّه يغفر الذنب حينا من تلقاء نفسه بفضله ، وحينا يعفو عنه بسبب ندم التائب واعتذاره ، فدلت الواو على هذا المعنى ، وأشارت إليه .

بدائع القرآن

ليس البديع في يد الفنان حلية تقتسر ، ولا زينة يستغنى الكلام عنها ، ولا زخرفة يأتي دورها ، بعد أن يكون المعنى قد استوفى تمامه . ولا يجيء مكانه في المرتبة الثالثة ، بعد استيفاء علمي المعاني والبيان حقهما ، فإن الإنتاج الأدبي يبرز إلى الوجود في نظمه الخاص ، وبه الصور البيانية ، والمحسنات البديعية ، دفعة واحدة ، فكأنما هذا المحسن البديعى جاء في مكانه ليقوم بنصيبه من أداء المعنى أولا ، أما ما فيه من جمال لفظي فقد جاء من أن تلك الكلمة بالذات يتطلبها المعنى ، ويقتضى المجيء بها . وليس كل ما ذكره علماء البديع بألوان جمال تستحق أن تذكر بين المحسنات ، وذلك يتطلب معاودة النظر ، في دراسة هذه الألوان ، لاستبقاء الجميل ، وحذف ما لا غناء فيه . ولست أريد الحديث الآن عن جناية البديع على الأدب العربي عندما يراد لذاته ، فيستغلق المعنى ، ويضؤل . أما ما ورد في القرآن مما نعده محسنات بديعية فقد وردت الألفاظ التي كان بها هذا المحسن البديعى في مكانها ، يتطلبها المعنى ، ولا يغنى غيرها غناءها . خذ ما ورد في القرآن الكريم من الجناس التام ، كقوله تعالى :
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ ( 43 ) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
( 44 ) ( النور 43 ، 44 ) . تجد كلمة
الْأَبْصارِ
الأولى مستقرة في مكانها فهي جمع بصر ،
من بلاغة القرآن — صفحة 140 | احمد احمد بدوي