وتتجلى دقة القرآن كذلك في وصل الجمل بباقي حروف العطف غير الواو ، وتأمل قوله تعالى :
قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
( الشعراء 75 - 81 ) . فهو قد عطف السقي على الإطعام بالواو إرادة للجمع بينهما بلا ترتيب ، ثم عطف الإحياء على الإماتة بثم ؛ لأنه إنما يكون بمهلة وتراخ ، وترى هذه الدقة في قوله تعالى :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
( 22 ) ( عبس 17 - 22 ) . فجاء قوله من نطفة خلقه بلا واو ؛ لأنها مفسرة لقوله من أي شئ خلقه ، « وعطف قوله : فقدره بالفاء ، تنبيها على أن التقدير مرتب على الخلق وعلى عدم التراخي بينهما ، وعطف السبيل بثم ، لما بين الخلق والهداية من التراخي والمهلة الكثيرة ، ثم عطف الإماتة بثم ، إشارة إلى التراخي بينهما بأزمنة طويلة ، ثم عطف الإقبار بالفاء ، إذ لا مهلة هناك ، ثم عطف الإنشار بثم ، لما يكون هناك من التراخي باللبث في الأرض أزمنة متطاولة » .
وقد يبدو في بادئ الرأي أن الموضع لحرف غير ما ذكر ، ولكن التأمل الدقيق يجعل الموضع للحرف المذكور ، كما تجد ذلك في قوله تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
( الكهف 28 ) . فقد يبدو بادئ الرأي أن الموضع للفاء هنا ، فيقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه ؛ لأن فعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء ، تقول أعطيته فأخذ ، وكسرته فانكسر ، ولكن التأمل يدل على أن الآية تعدد صفات الشخص الذي نهى الرسول عن طاعته ، ومن أغفل اللّه قلبه عن ذكره فقد غفل قلبه ، فكأنه قال : ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا ، واتبع هواه ، ومن هنا كانت الواو في مكانها .
ويجمع القرآن بالواو أيضا بين المفردات المتناسبة ، كما ترى ذلك في قوله سبحانه :
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( الأنعام 162 ) . وقوله :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( الأعراف 33 ) .
وجرى الاستعمال القرآني على ألا يعطف بعض الصفات على بعض إلا إذا كان بينها تضاد ، تجد ذلك في قوله تعالى :
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
( التحريم 5 ) . فقد مضت الصفات بعضها بجوار بعض من غير عاطف ، إلا بين ثيبات وأبكار ،