فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
( الشعراء 216 ) . وقوله تعالى :
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
( الأنعام 56 ) . فإذا كان الكلام جواب منكر حشد له أكثر من أداة واحدة للتوكيد .
وقد تدخل إن للدلالة على أن المتكلم كان يظن أمرا فحدث خلافه ، فيأتي بهذا التوكيد ليرد على نفسه ظنه ، وكأنه يريد لهذه النفس أن يستقر فيها هذا النبأ الجديد الذي لم تكن تتوقعه ، بل تتوقع سواه ، وكأنها تريد أن تخلى مكانا من القلب قد شغل بخاطر ، لتحل فيه خاطرا جديدا ، وتأمل قوله تعالى حكاية عن أم مريم :
قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
( آل عمران 36 ) . فأم مريم كان الأمل يملأ قلبها في أن تلد ذكرا نذرته للّه ، ولطول ما شغلها هذا الأمل تجسم في خيالها ، حتى صار كأنه حقيقة واقعة ، فلما وضعت مريم فوجئت ، فأرادت أن تقر هذا الأمر الجديد في قلبها ، حتى تروض نفسها عليه ، وتستسلم لما كان . وكذلك قوله تعالى : حكاية عن نوح عليه السلام :
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
( الشعراء 117 ) . فلم يكن نوح يتوقع أن يكذبه قومه ، وقد جاءهم من ربهم بالنور والهدى ، فكان تكذيبهم صدمة له يريد أن يوطن عليها نفسه .
والتأكيد بأن أقوى من التوكيد باللام المؤكدة ، واللام المؤكدة هي لام الابتداء في قوله تعالى :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ
( الحشر 13 ) . وقوله سبحانه :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( القلم 4 ) . وقوله تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى
( 13 ) ( الليل 12 ، 13 ) . ولام القسم ، كما في قوله تعالى :
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا
. ( يوسف 91 ) .
وهنا نقف عند قوله تعالى :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
( مريم 66 ) .
فقد يبدو أن اللام لا موضع لها هنا لأن الإنسان المتحدث منكر للبعث . ولكن التأمل يبين أن هذا الإنسان المنكر إنما يحكى ما حدثه به الرسول حين أكد له هذا البعث .
ومن أمثلة « ألا » التنبيهية التي تفيد التوكيد قوله تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
( البقرة 13 ) وقوله سبحانه :
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ
( هود 8 ) . ومن أمثلة « ها » التنبيهية ، ولم ترد في القرآن إلا داخلة على ضمير المخاطبين المخبر عنه باسم الإشارة - قوله تعالى :
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ
( آل عمران 119 ) .
ويبدو لي أن منشأ التوكيد في البدء بهاتين الأداتين يعود إلى ما فيهما من تنبيه السامع إلى ما سيرد بعدهما من أخبار ، وتهيئته لسماعها ، وذلك لا يكون إلا حيث يعتنى بهذه الأخبار ، لتستقر في النفس ونثبت بها .
ويفيد ضمير الشأن التوكيد من ناحية أنه يثير النفس ، ويدفعها إلى معرفة