تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وإنما تقع إن موضع الفاء ، إذا كانت جملتها توضح ما قبلها ، وتبين وجه الفائدة فيه ، كتلك الآيات التي أوردها عبد القاهر ، فقوله تعالى :
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
( الحج 1 ) . يبين سبب أمرهم بالتقوى في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ
( الحج 1 ) ، وكذلك
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
( التوبة 103 ) . بيان للسبب في طلب الصلاة لهم من النبي ، ولكن ذلك لا يطرد في كل موضع ، بل هناك ما لا يحصى من الجمل التي لا تقتضى الفاء ، كقوله تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ( 51 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
( 52 ) ( الدخان 51 ، 52 ) . فقبله
إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
( الدخان 50 ) ، ولو أنك قلت : « إن هذا ما كنتم به تمترون ، إن المتقين في جنات وعيون » لم يكن كلاما « 1 » ، وقوله تعالى :
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
( 101 ) ( الأنبياء 100 ، 101 ) . فلو أتينا مكان إن بالفاء لم تجد لها وجها ، كما أنه لا يجوز المجيء بالفاء مكان إن في قوله سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
( الحج 17 ) . وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
( الكهف 30 ) . لأن جملة إن الثانية خبر عن الأولى في الآيتين ، والخبر لا يجوز عطفه على المبتدأ . قال عبد القاهر « 2 » : « ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف ، ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليه ، بل تراه لا يصلح حيث يصلح إلا بها ، وذلك في مثل قوله :
إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
( التوبة 120 ) . وقوله :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ
( التوبة 63 ) . وقوله :
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ
( الأنعام 54 ) . وقوله :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
( المؤمنون 117 ) . وقوله :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
( الحج 46 ) . فإن قلت أوليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله تعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
( الإخلاص 1 ) . قيل : هو ، وإن جاء هنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة مع الشرط والجزاء ، بل تراه لا يجيء إلا بأن ، على أنهم قد أجازوا في
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
ألا يكون الضمير للأمر » . ولما كان جواب السؤال والجمل التي تلقى في مواضيع الجدل مما يحتاج إلى إقراره في نفس السائل والمجادل وتثبيته في قلبهما ، كانت الجملة التي تقع جوابا من المواضع التي تجىء فيها إن ، كما في قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( 83 ) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
( الكهف 83 ، 84 ) . وقوله تعالى :
فَإِنْ عَصَوْكَ
هامش
( 1 ) المرجع السابق ص 244 . ( 2 ) المرجع السابق نفسه .
من بلاغة القرآن — صفحة 116 | احمد احمد بدوي