الزائدة في الجملة ، وتؤكد الجملة بذلك لتثبيت معناها وتوطيده في النفس ، وكلما كان هذا المعنى مجالا للشك أو الإنكار ، كان موضع التوكيد أنسب وأقوى ، كما ذكرنا .
وقد يؤكد القرآن أمرا هو من البداهة بمكان ، لأنه يرمى من وراء ذلك إلى هدف هام ، تتبينه النفس عندما تتدبر أمر هذا التوكيد ، لترى ما موقعه ، ولم كان ، وتأمل قوله تعالى :
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
( 16 ) ( المؤمنون 15 ، 16 ) . فلما كان تماديهم في الضلال يصرفهم عن التفكير المستقيم ، المؤدى إلى الإيمان ، باللّه ورسله ، واليوم الآخر ، وكانت هذه الغفلة تلفتهم عن التفكير في مصيرهم ، فكأنهم مخلدون لا يصيبهم موت ولا فناء - أكد نزول الموت بهم تأكيدين ليفكروا فيه ، وفيما يتطلبه نزوله بهم ، من عمل صالح ينفعهم بعد هذا الموت .
وقد يكون تقوية التوكيد لقصد الترغيب ، كما ترى ذلك في قوله تعالى :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( البقرة 54 ) ، فتأكيد هذه الصفة بأربعة تأكيدات ، لترغيب العباد في التوبة ، والرجوع إلى اللّه سبحانه .
تدخل إن في الكلام ، ففضلا عن تأكيدها لمعنى الجملة ، تربط ما بعدها بما قبلها . قال عبد القاهر : « هل شئ أبين في الفائدة ، وأدل على أن ليس سواء دخولها وألا تدخل « 1 » من أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ، ترتبط بما قبلها وتأتلف معه ، وتتحد به ، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا وكأن أحدهم قد سبك في الآخر ، هذه هي الصورة ، حتى إذا جئت إلى إن فأسقطتها ، رأيت الثاني مبهما قد نبا عن الأول ، وتجافى معناه عن معناه ، ورأيته لا يتصل به ، ولا يكون منه بسبيل ، حتى تجىء بالفاء . . ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة ، وترد عليك الذي كنت تجد بأن من المعنى ، وهذا الضرب كثير من التنزيل جدا ، من ذلك قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
( الحج 1 ) ، وقوله عز اسمه :
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
( لقمان 17 ) ، وقوله سبحانه :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
( التوبة 103 ) ، ومن أبين ذلك قوله تعالى :
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
( هود 37 ) . وقد يتكرر في الآية الواحدة ، كقوله عز اسمه :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
( يوسف 53 ) ، وهي على الجملة من الكثرة ، بحيث لا يدركها الإحصاء » .
هامش
( 1 ) دلائل الإعجاز ص 243 .