المراد منه ، فإذا جاء تفسيره استقر هذا التفسير في النفس ، وتأكد فيها ، وليس بكثير استخدام هذا الضمير في القرآن ، وإنما يكون في المواضع التي يراد بها تعظيم أمر وتفخيمه عن طريق إبهامه ثمّ إيضاحه . ومن أمثلته قوله تعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
( الإخلاص 1 ) . و
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( الحج 46 ) . و
فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
( الأنبياء 97 ) .
أما ضمير الفصل فهو كثير في القرآن ، ومن أمثلته قوله تعالى :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ( 48 ) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ( 49 ) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ( 50 ) وَثَمُودَ فَما أَبْقى ( 51 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى
( النجم 43 - 52 ) .
وقد استخدم القرآن هنا ضمير الفصل في الأفعال التي هي مظنة الاشتراك ، كما ترى ذلك في جملة الإضحاك والإبكاء ، والإماتة والإحياء والإغناء والإقناء ، أما حيث لا تدعى الشركة فلا حاجة إلى هذا الضمير ، كما ترى في جمل خلق الزوجين ، والنشأة الأخرى ، وإهلاك عاد الأولى .
ومن ذلك قوله تعالى :
قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
( 82 ) ( الشعراء 75 - 82 ) ، وترى هنا ما رأيته في الآية الماضية من المجيء بضمير الفصل حيث يتوهم في الفعل شركة ، كما في الهداية والإطعام والشفاء ، أما حيث لا تتوهم تلك الشركة فلا يأتي ضمير الفصل كما في الخلق والإماتة والإحياء .
ويقوى التوكيد في ضمير الفصل حتى يدل على القصر والاختصاص ، كما ترى ذلك في الآيتين السالفتين ، فإن ضمير الفصل نفى الشركة ، وجعل الفعل خاصا باللّه وحده ، وتلمس القصر الذي أفاده ضمير الفصل في قوله سبحانه على لسان عيسى :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
( المائدة 117 ) ، فبعد وفاة عيسى لم يكن الرقيب عليهم سوى اللّه وحده .
هذا وقد تحدث البلاغيون طويلا فيما تفيده الباء الزائدة في خبر ما ، وليس ، من تأكيد في الجملة ، منشؤه ما للباء الزائدة من معان ، منها المصاحبة ، ففي قوله تعالى :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
( البقرة 144 ) . وقوله تعالى :
وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً