تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
( المجادلة 10 ) . ترى هذه الباء قد نفت كل صلة تربط بين اللّه والغفلة ، في الآية الأولى ، وبين السحر والضير في الآية الثانية ، فلا صحبة بينهما ولا تلاق . * * * وكرر القرآن في سورة الرحمن نيفا وثلاثين مرة قوله تعالى :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
( الرحمن 16 ) . متسائلا عما يستطيع أن ينكره الجن والإنس مما أولاهما اللّه من نعم ، فلعل في هذا السؤال المتكرر ما يثير في نفس سامعيه اليقين بأنه ليس من الصواب نكران نعم تكررت وآلاء توالت . وهنا يحسن أن أقف مشيرا إلى ما قد يبدو حينا من أن لا وجه لهذا التساؤل بعد بعض آيات السورة ، كما يتراءى ذلك في قوله سبحانه وتعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
( 28 ) ( الرحمن 26 - 28 ) ، فأي نعمة يذكر بها الجن والإنس في فناء هذا العالم ؟ ولكن تأملا في هذه الآيات وما ورد من هذا السؤال بعد وصف اليوم الآخر وأهواله ، يدل على أن مثل هذا السؤال سيوجه بعد فناء هذا العالم ، فكأن القرآن يقرر أن سيلقى مثل هذا السؤال ، يوم تنشق السماء ، ويوم يعرف المجرمون بسيماهم ، أفلا يجدر بالمرء أن يفكر طويلا ، كما أوحى القرآن بذلك ، في تلك الآلاء والنعم ، فيقوم بواجب الإيمان بالنعم وشكرها ، حتى لا يقف موقف الجاحد لهذه النعم يوم يحاسب اللّه الثقلين . وكررت في سورة المرسلات تلك الجملة المنذرة ، وهي قوله تعالى :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( المرسلات 19 ) ، وإذا نظرنا إلى هذه السورة ، وجدناها تتحدث عن وقوع اليوم الآخر ، وتصفه ، فلا جرم كرر هذا الإنذار عقب كل وصف له ، أو فعل يقع فيه ، أو عمل من اللّه يدل على قدرة ، يحيى بها الناس بعد موتهم ، وفي هذا التكرير ما يوحى بالرهبة ، ويملأ القلب رعبا من التكذيب بهذا اليوم الواقع بلا ريب . وفي سورة الشعراء ، كررت الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 9 ) ( الشعراء 8 ، 9 ) . ثماني مرات وكانت متمكنة من موضعها في كل مكان حلت فيه ، فقد جاءت في هذه السورة أولا ، بعد أن وجه القرآن نظرهم إلى الأرض ، أوليس فيما تنبته من كل زوج بهيج ما يثير في النفس التأمل لمعرفة خالق الأرض ومحييها . واستمع إليه سبحانه يقول :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 9 ) ( الشعراء 7 - 9 ) . ويكرر الآية في موضع آخر ، تحدث فيه عن انفلاق البحر لموسى ، ونجاته ، وغرق فرعون ، وتلك آية من أكبر دلائل قدرته سبحانه ، فهي جديرة بتسجيلها