تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
والإشارة إليها . قال تعالى :
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 68 ) ( الشعراء 63 - 68 ) . وكررت تلك الآية ست مرات أخرى عقب كل ما يجدر أن يكون عظة يعتبر بها ، كتصوير جند إبليس ، وقد كبكبوا في جهنم ، وأخذوا يختصمون فيما بينهم ، ويقررون أنهم كانوا في ضلالة وعمى ، ويتمنون لو عادوا ليصلحوا ما أفسدوه ، أوليس في ذلك من العظة ما ينهى عن مثل هذا المصير . وكررها كذلك عقب قصة صالح ولوط وشعيب ، لأن مصير أقوامهم حقيق بأن تتلقى منه العظات والعبر ، وكأن تلك الآية المكررة تشير إلى مرحلة من القول ، يحسن الوقوف عندها والتريث لتدبرها ، وتأمل ما تحوى من دروس تستفاد مما مضى من حوادث التاريخ . وختم الآية بوصفه تعالى بالعزة والرحمة فيه كل المناسبة للحديث عن مصير الكافر والمؤمن ، فهو عزيز يعاقب الكافر ، ورحيم بمن آمن . وتجد الآية التي كررت في سورة القمر ، وهي قوله سبحانه :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
( القمر 17 و 22 و 32 و 40 ) - منبهة في كل موضع وردت فيه ، إلى أن ما سيأتي بعدئذ مما عنى القرآن بالحديث عنه ، تذكرة وعظة ، وهو لذلك جدير بالتأمل الهادئ والتدبر والادكار . وقد يحدث التكرير في آيتين متواليتين ، كما في قوله سبحانه :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً ( 131 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
( 132 ) ( النساء 131 ، 132 ) . وذلك لتثبيت الإيمان بغنى اللّه عن عبادة العابد ، في قلوب الناس ، ليقبلوا على العبادة مؤمنين بأنها لخيرهم وحدهم ، بل قد يكون التكرير في الآية الواحدة وذلك لتثبيت المكرر في النفس ، كما في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
( الحشر 18 ) ، وقوله تعالى :
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
( آل عمران 42 ) . ويوحى التكرير في سورة « الكافرون » باليأس إلى قلوب من كفر من أن ينصرف الرسول عن دينه إلى ما كان يعبد هؤلاء الكفرة ، فليتدبروا أمرهم بينهم مليّا ، ليروا سر هذا الإصرار من محمد ، فعساهم يدركون أن هذا السر هو أن الرسول على حق ، فيما يدعو إليه ، فلم ينصرف عنه إلى أديان لا سند لها من الصواب والحق . * * *
من بلاغة القرآن — صفحة 120 | احمد احمد بدوي