وللتوكيد أساليب كثيرة في القرآن الكريم ، فمنها التوكيد المعنوي بكل وأجمع ، كما في قوله تعالى :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
( الحجر 30 ) . وفائدة هذا اللون من التوكيد رفع ما يتوهم من عدم الشمول ، وإني أرى هنا ما رآه الفراء « 1 » من أن كلهم أفادت ذلك ، وأجمعون أفادت اجتماعهم على السجود ، وأنهم لم يسجدوا متفرقين .
ومنها التوكيد اللفظي ، بأن يكرر السابق لفظه ، اسما كان ، أو فعلا ، أو اسم فعل ، أو حرفا ، أو جملة ، كما ترى ذلك في قوله تعالى :
كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا
( الفجر 21 ) . وقوله :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
( الطارق 17 ) . وقوله سبحانه :
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ
( المؤمنون 36 ) . وقوله :
أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
( المؤمنون 35 ) ، وقوله :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
( الشرح 5 ، 6 ) ، وكثيرا ما تقترن الجملة الثانية بثم ، كما في قوله تعالى :
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ
( 18 ) ( الانفطار 17 ، 18 ) .
ومنه تأكيد الضمير المنفصل بمثله ، كما قال تعالى :
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
( النمل 3 ) . وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل ، في قوله سبحانه :
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
( الأعراف 115 ) ، وفي تأكيدهم ما يشعر بثقتهم بأنفسهم ، وقوله تعالى :
قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
( طه 68 ) . وفي ذلك تثبيت قلب موسى وبعث الطمأنينة إليه .
ومنه تأكيد الفعل بمصدره ، ويكون ذلك في الأمور التي يتوهم فيها المجاز ، فيأتي الفعل لرفع هذا التوهم ، وتأمل ذلك في قوله تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
( النساء 104 ) ، فقد يطلق الكلام على الإيحاء ، وينصرف الذهن إليه ، فجاء المصدر لإزالة هذا التوهم .
وقوله تعالى :
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ( 7 ) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ( 8 ) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً
( 10 ) ( الطور 7 - 10 ) . أو لا ترى أن اضطراب السماء ، وسير الجبال ، مما قد تتردد النفس في قبوله ، فجىء بالمصدر تأكيدا لوقوعه . وقد يؤكد الفعل بمصدر فعل آخر نيابة عن المصدر ، كما في قوله تعالى :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
( الجن 8 ) . وفي ذلك دلالة على ما للتبتيل من أثر في استجلاب رضوان اللّه ، فأمر به مؤكدا ، ولعل السر في العدول إلى هذا المصدر ، هو المحافظة على النغمة الموسيقية للآية .
ومن ألوان التوكيد أن يكون في الجملة أداة من أدوات التوكيد ، وهي إن ، وأن ، ولام الابتداء ، والقسم ، وألا الاستفتاحية ، وهاء التنبيه ، وكأن في تأكيد التشبيه ، وضمير الشأن ، وضمير الفصل ، وقد ، والسين ، وسوف ، والنونان في تأكيد الفعل ، ودخول الأحرف
هامش
( 1 ) الإتقان ج 2 ص 66 .