تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
ذكر السماء وهي مؤنثة ، لأنها بالنسبة إلى الأرض سقف لها ، وتنبه الذهن إلى أن السماء سقف ، يصور لك تشققها تصويرا قريبا إليك ، دانيا منك . وإن في انتهاج القرآن ذلك النهج من المخالفة الصورية لما يلفت الذهن إلى ما وراء الألفاظ ، من معان مقصودة ، وصور ملحوظة .

التوكيد والتكرير

التوكيد من أهم العوامل لبث الفكرة في نفوس الجماعات ، وإقرارها في قلوبهم إقرارا ، ينتهى إلى الإيمان بها ، وقيمة التوكيد بدوام تكراره بالألفاظ عينها ، ما أمكن ذلك ، « فإذا تكرر الشيء رسخ في الأذهان رسوخا ، تنتهى بقبوله حقيقة ناصعة » « 1 » وللتكرار تأثير في عقول المستنيرين ، وتأثيره أكبر في عقول الجماعات من باب أولى ، والسبب في ذلك كون المكرر ينطبع في تجاويف الملكات اللاشعورية ، التي تختمر فيها أسباب أفعال الإنسان ، فإذا انقضى شطر من الزمن نسي الواحد منا صاحب التكرار ، وانتهى بتصديق المكرر « 2 » . واستخدم القرآن التوكيد وسيلة لتثبيت المعنى في نفوس قارئيه ، وإقراره في أفئدتهم ، حتى يصبح عقيدة من عقائدهم . وقد يكرر القرآن الجملة المؤكدة عدة مرات بألفاظها نفسها ، علما منه بما لذلك . من أثر في النفس ، فتراه مثلا في سورة الشعراء يكرر الجملتين الآتيتين خمس مرات ، من غير أن يغير من ألفاظهما حرفا ، فقال على لسان بعض رسله :
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
( 108 ) ( الشعراء 107 ، 108 و 126 و 144 و 163 و 179 ) . وهي وإن كانت مقولة على ألسنة عدة رسل ، توحى لتكررها بعبارة واحدة ، بصدق هؤلاء الرسل وتثبيت التصديق بهم . ويؤكد القرآن صفات اللّه ، حتى يستقر الإيمان بها في النفوس ، وذلك هو الأساس الذي ينبنى عليه الدين ، فتسمعه يقول مكررا ومؤكدا في كثير مما يكرره :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( البقرة 20 ) ،
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
( البقرة 110 ) ،
إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
( البقرة 115 ) ،
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
( البقرة 153 ) ،
فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
( البقرة 158 ) ،
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( البقرة 173 ) ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
( البقرة 190 ) ،
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
( البقرة 195 ) ،
أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
( البقرة 196 ) ،
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
( البقرة 209 ) ،
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
( البقرة 222 ) ،
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
هامش
( 1 ) روح الاجتماع ص 139 . ( 2 ) المرجع السابق نفسه .