تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
كلمة البقعة ، في قوله تعالى في قصة موسى :
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ
( القصص 30 ) ، وليس في الجمع وهو البقاع ثقل ولا نفور . ولم ترد الكلمة في غير هذا الموضع وورد المشرق والمغرب مفردين بمعنى جهة الشروق والغروب ، كما في قوله تعالى :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
( البقرة 177 ) ، وورد المشرق مثنى في آيتين ، هما قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
( الزخرف 38 ) . وواضح أن المراد بالمشرقين هنا المشرق والمغرب ، وقوله تعالى :
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
( 18 ) ( الرحمن 17 ، 18 ) . وعلى النسق القرآني يكون المراد بالمشرقين المشرق والمغرب ، وبالمغربين المغرب والمشرق ، فيكون في ذلك تكرير ، لتعظيم أمر المشرق والمغرب . وقال بعض المفسرين : المشرقان هما مشرق الشمس في الصيف ومشرقها في الشتاء ، والمغربان مغربها في الصيف ومغربها في الشتاء « 1 » . فإذا جمعت كان المراد الجهات التي تشرق منها الشمس أو تغرب ، والشمس ترى من الأرض تشرق في كل يوم من مشرق ، غير الذي أشرقت منه بالأمس . وللقرآن بعض لفتات في التذكير والتأنيث ، يعتمد فيها على ما تثيره الكلمة في النفس من معنى ، فيعيد الضمير على المعنى الذي أثارته الكلمة ، ورأيت من ذلك ثلاثة مواضع : أولها قوله تعالى :
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
( 12 ) ( الفرقان 11 ، 12 ) ، فلما كانت كلمة السعير تدل على النار المستعرة وتوحى بها ، أعاد الضمير عليها مؤنثا . وثانيها وصفه البلدة بالميت في قوله سبحانه :
. . . وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
( 49 ) ( الفرقان 48 ، 49 ) . وقوله تعالى :
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ
( الزخرف 11 ) ، وسر ذلك أن الذي أحياه المطر ؛ إنما هو المكان الذي تقام عليه البلدة ، فهو في الحقيقة الذي جرى المطر في عروقه . فحيى ، فلما كان المراد بالبلدة المكان صح وصفها بالمذكر . وثالثها قوله سبحانه :
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ( 17 ) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
( 18 ) ( نوح 17 ، 18 ) .
هامش
( 1 ) الكشاف ج 2 ص 425 .