تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩

الإفراد والتذكير وفروعهما

قال أبو منصور الثعالبي : لم يأت لفظ الريح في القرآن إلا في الشر ، والرياح إلا في الخير ، قال اللّه عز وجل :
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
( 42 ) ( الذاريات 41 ، 42 ) . وقال سبحانه :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
( 20 ) ( القمر 19 ، 20 ) . وقال جل جلاله :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
( الأعراف 57 ) . وقال :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 1 » ( الروم 46 ) . ولعل السبب في ذلك أن ريح الشر ، تهب مدمرة عاصفة ، لا تهدأ ، ولا تدع الناس يهدءون ، فهي لاستمرارها ريح واحدة ، لا يشعر الناس فيها بتحول ولا تغير ، ولا يحسون بهدوء يلم بها ، فهي متصلة في عصفها وشدة تحطيمها ، وذلك مصدر الرهبة منها والفزع ، أما الرياح التي تحمل الخير فتهب حينا ، وتهدأ حينا ، لتسمح للسحب أن تمطر ، فهي متقطعة تهب في هدوء ، ويشعر المرء فيها بفترات سكون ، وأنها رياح متتابعة ، ففي تعبير القرآن تصوير للإحساس النفسي . ووصفت الريح مفردة بالطيبة في قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 22 ) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
( يونس 22 ، 23 ) ؛ لتقابل ريح الشر ، ولأن إفراد الريح مع السفن هو الرحمة بها ، ولو أنها جمعت ، فقد يدل الجمع على مجىء الريح من مهاب متعددة ، وفي ذلك دمار لها . وأبى القرآن - كما سبق أن ذكرنا - أن يجمع الأرض على أرضين ، ولعله وجد فيها ثقلا على اللسان فتركها . قال الأستاذ السباعى « 2 » : « ومن دقائق القرآن في هذا الباب اختياره إفراد السبيل مع الحق ، وجمعه مع الباطل ، لأن سبيل الحق واحدة ، وسبل الباطل
هامش
( 1 ) فقه اللغة ص 403 . ( 2 ) تاريخ الأدب العربي ص 95 .