تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
( الحج 8 ) ، وقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ
( العنكبوت 10 ) ، وقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
( لقمان 6 ) . ففي هذا وغيره ذم لمن يتصف بذلك ، ودعوة له في صمت إلى الإقلاع والكف ، ومن ذلك قوله سبحانه :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ
( البقرة 204 ) . وجاء قوله تعالى بعده :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
( البقرة 207 ) . ليكون في مقابلته ، حتى تكون الموازنة قوية جلية ، تدفع إلى العمل الصالح ابتغاء مرضاة اللّه . وقد يعدل القرآن عن العلم إلى الاسم الموصول ، إذا كان فيه زيادة تقرير لأمر يريده القرآن ، كما في قوله تعالى :
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ
( يوسف 23 ) . ألا ترى في ذكر اسم الموصول زيادة تقرير لعفته ، فهو في بيتها ، ووسائل إغرائه موفورة عندها ، وهو تحت سلطانها ، ولن تفهم هذه المعاني إذا جاء باسمها . ويستخدم اسم الموصول كذلك ، لإظهار أن الأمر لا يستطاع تحديده بوصف ، مهما بولغ فيه ، تلمس ذلك في قوله تعالى :
قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
( الشعراء 18 ، 19 ) . وقوله تعالى :
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
( طه 78 ) . وفي ذلك ترك للخيال يسبح ليكمل الصورة ويرسمها . ويستخدم القرآن التعريف بأل ، فتكون للعهد حينا ، وللجنس حينا آخر ، ومن أجمل مواقعها فيه أن تستخدم لاستغراق خصائص الجنس ، كما في قوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
( البقرة 2 ) . فكأنه قال ذلك هو الكتاب المستكمل لخصائص جنسه ، فهو الكتاب الكامل . وتأتى الإضافة في القرآن أحيانا لتعظيم المضاف كقوله تعالى :
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
( النمل 88 ) . أو تحقيره كما في قوله سبحانه :
أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ
( المجادلة 19 ) . وقد يعدل عن الإضافة ، حيث يبدو في ظاهر الأمر أن المقام لها ، كما في قوله سبحانه على لسان إبراهيم لأبيه :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
( مريم 45 ) . فالعدول عن إضافة العذاب إلى الرحمن لعدم التجانس بينهما ، فالمناسب للعذاب أن يضاف إلى الجبار ، أو المنتقم مثلا ، لا إلى مصدر النعم ، أما السر في وصف العذاب بأنه من الرحمن ، فالإشارة إلى أن العذاب إنما كان ، لأنه كفر بمن كان مصدرا للنعمة ، ولم يقم بواجب شكره .