تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ذلك من إبرازهم متعنتين جاحدين ، لا يرعون ما يجب أن يكون للحق ، من حسن القبول والرضا به ، والاطمئنان إليه ، وفي ذلك تشنيع عليهم ، وتصوير لمدى ضلالهم ومكابرتهم ، وعلى هذا المنهج جاء قوله تعالى :
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ( 2 ) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ( 3 ) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ
( 4 ) ( ص 1 - 4 ) . وهو بذلك يشير إلى أن هذا القول لا يكون إلا من كافر يخفى الحق ولا يقربه . ومما استخدمه القرآن ضمير الشأن أو القصة ، وهو ضمير لا مرجع له ، تسمعه النفس فتتهيأ لسماع ما يأتي بعده ، لأن الأسلوب العربي لا يأتي بهذا الضمير إلا في المواطن التي يكون فيها أمر مهم ، تراد العناية به ، فيكون هذا الضمير أداة للتنبيه ، يدفع المرء إلى الإصغاء ، فإذا وردت الجملة بعده استقرت في النفس واطمأن إليها الفؤاد . واستمع إلى قوله تعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
( الإخلاص 1 ) . أو لا ترى الشوق يحفز السامع عندما يصغى إلى هذا الضمير - إلى أن يدرك ما يراد به ، فإذا وردت الجملة ثبتت في النفس ، وقرت في القلب . وقوله تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( الحج 46 ) . تجد للضمير هنا من الإثارة وتثبيت المعنى ، ما يبين عن فضل هذا الضمير ، وما يمنحه الأسلوب من قوة وحسن بيان . ويستخدم القرآن العلم ولم يستخدم الكنية « 1 » إلا في قوله تعالى :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
( المسد 1 ) ، وفي اختيار هذه الكنية من الذم ، ما ليس في الاسم ، وهذا هو السر في اختيارها ، وقل استخدامه كذلك للقب ، ومنه استخدام إسرائيل ، لقب يعقوب ، ومعناه عبد اللّه ، وقيل صفوة اللّه ، ولم تخاطب اليهود في القرآن إلا ب « يا بني إسرائيل » « 2 » . ومنه المسيح ، لقب لعيسى ، قيل معناه الصديق ، وقيل الذي لا يمسح ذا عاهة إلا برئ « 3 » . ويأتي اسم الإشارة للقرب في القرآن ، مؤذنا بقربه ، قربا لا يحول دون الانتفاع به ، ومن هنا أوثر هذا النوع من أسماء الإشارة ، في قوله سبحانه :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
( الإسراء 9 ) ، أو لا ترى أن المقام هنا مقام حديث عن هاد ، يقود إلى أقوم الطرق ، ولأن يكون هذا الهادي قريبا أنجح لرسالته ، وأقطع لعذر من ينصرف عن الاسترشاد بهديه ، بينما استخدم اسم الإشارة للبعيد ، مشيرا إلى القرآن نفسه عندما تحدث عن بعده عن الريب ، فكان الحديث عنه باسم الإشارة البعيد ، أنسب في الدلالة على ذلك .
هامش
( 1 ) الإتقان ج 2 ص 144 . ( 2 ) المرجع السابق نفسه . ( 3 ) المرجع السابق نفسه .