تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
من هذه الصيغة من جموع التكثير ، الدالة على هذه الكثرة ، أما التعظيم فلا يستفاد من التنكير ، وإنما يستفاد من وصف هؤلاء الرسل ، بأنهم جاءوا بالبينات ، فالمقام هو الذي عظم هؤلاء الرسل ، وقد تأتى الكلمة نفسها في مقام آخر ، ويكون ما يحيط بها دالا على حقارتها وضعتها ، مما يدل على أن التنكير في ذاته لا يؤذن بتعظيم ولا تحقير . وقال تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ
( البقرة 279 ) . فكلمة حرب منكرة ، لا تدل على أكثر من حقيقتها ، وإذا كان ثمة تعظيم لهذه الحرب فمنشؤه وصفها بأنها من اللّه ورسوله ، وإن حربا يثيرها اللّه ، جديرة أن تبعث في النفس أشد ألوان الفزع والرعب . وقال تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( التوبة 72 ) . فلا تحمل كلمة رضوان في الآية معنى أكثر من العطف ، أما أن يدل التنكير هنا على التقليل لا تفيده النكرة وحدها ، وإن كان معنى الآية يحتمل ، أن قليل رضوان اللّه أكبر من الجنات والمساكن الطيبة ، لأن النكرة تطلق على القليل والكثير فما يطلق عليه رضوان قل أو كثر ، أكبر مما أثيبوا به . ودل المقام على تعظيم الاسم المنكر ، في قوله تعالى :
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ
( الأعراف 113 ) . ذلك أنهم يطلبون مكافأة على عمل ضخم يقومون به ، هو إبطال دعوة موسى ، والإبقاء على دين فرعون ، أو لا يكون ثواب ذلك عظيما يناسبه . كما دل المقام على تعظيم الذكر ، في كل آية وردت فيها تلك الكلمة منكرة ، كقوله تعالى :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا
( الأعراف 63 ) . وقوله تعالى :
وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
( يوسف 104 ) . فوصفه حينا بأنه من اللّه ، وحينا بأنه ذكر للعالمين ، وحينا بأنه مبارك ، يؤذن بعظمة هذا الذكر وجلال قدره . كما دل المقام على التقليل في قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
( الجاثية 32 ) . ألا ترى أن جحدهم للساعة ، لا يؤذن إلا بظن ضئيل في وجودها يتردد في رؤوسهم . وقد تكون الكلمة النكرة موحية بمعنى حقير إلى النفس ، كما في قوله تعالى :
أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
( الكهف 37 ) . وقوله سبحانه :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
( 19 ) ( عبس 17 - 19 ) . ولأن النكرة لا تدل على شئ معين ، كان استخدامها في بعض المقام مثيرا