التنكير والتعريف
وقفت طويلا عند الاسم النكرة ، أتبين ما قد يدل عليه التنكير من معنى ، ودرست ما ذكر العلماء من معان ، قالوا إن هذا التنكير يفيدها ، وبدا لي من هذا التأمل الطويل أن النكرة يراد بها ، واحد من أفراد الجنس ، ويؤتى بها ، عندما لا يراد تعيين هذا الفرد ، كقوله سبحانه :
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ
( القصص 20 ) . فليس المراد هنا تعيين الرجل ، ولكن يراد هنا أن يصل إلى موسى نبأ الائتمار عليه بالقتل .
والنكرة بعدئذ تفيد معناها مطلقا من كل قيد ، أما ما يذكره علماء البلاغة من معان استفيدت من النكرة ، فإنها لم تفدها بطبيعتها ، وإنما استفادتها من المقام الذي وردت فيه ، فكأنما المقام هو الذي يصف النكرة ، ويحدد معناها ، فكلمة حياة مثلا تدل على معناها المجرد ، والمقام يهبها معنى التحقير حينا ، والتعظيم حينا آخر ، والنوعية من موضع ثالث ، ولنقف قليلا عند بعض الآيات التي ورد فيها الاسم نكرة ، نتبين مدى الجمال في وروده .
قال تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ
( البقرة 96 ) . أو لا ترى أن المراد هنا بيان حرص هؤلاء الناس على مطلق حياة ، وأنها غالية عندهم كل الغلو ، لا يعنيهم أن تكون تلك الحياة رفيعة أو وضيعة ، ولهذا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، ومن هنا جاء التنديد بهم ، لأن الإنسان المثالي ، لا يريد الحياة ، إلا إذا كانت رفيعة صالحة .
وقال تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( البقرة 179 ) . وهنا تجد المراد كذلك مطلق حياة يستفيدها المجتمع من حكم القصاص ، هي تلك التي يظفر بها من يرتدع عن القتل ، ولا يقدم عليه خوفا ، أن تناله يد القانون فيقتل ، فهذا الحكم العادل ، استزاد به المجتمع حياة بعض الأفراد الذين كانوا عرضة للقتل قصاصا .
وقال تعالى :
قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 ) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ
( 184 ) ( آل عمران 183 ، 184 ) . فالرسل منكرة لا تدل على أكثر من معنى المرسلين والكثرة إنما استفيدت