المثل وإن كان قد ضرب لليهود ، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته .
ومن الأمثال ما ذكره تعالى في سورة الأعراف لمن انسلخ عن آيات اللّه
فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ
فمثله كمثل الكلب ، وقد ضرب ذلك مثلا لمن كذبوا بآيات اللّه . وختم اللّه سبحانه الآية بقوله تعالى :
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
، يقول ابن قيم الجوزية : « فشبه سبحانه من أتاه كتابه وعلمه فترك العمل به ، واتبع هواه وآثر سخط اللّه على رضاه ، ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق ، بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات وأوضعها قدرا وأخسها نفسا وهمته لا تتعدى بطنه ، وأشدها شرها وحرصا ، ومن حرصه أنه لا يمشى إلا وأنفه في الأرض يتشمم ويتروح حرصا وشرحا ، وإذا رميت له بحجر رجع إليه يعضه من فرط نهمه ، ومن أحمل الحيوانات للهوان وأرضاها بالدنايا » ، وبعد أن يفيض في وصف خسة الكلب يقول ابن قيم الجوزية : « مراده انقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث ، وهكذا الذي انسلخ عن آيات اللّه لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا ، وترك اللهث عليها ، فهذا يلهث على الدنيا من قلة صبره عليها ، وهذا يلهث من قلة صبره على الماء ، فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن الماء ، وإذا عطش لا يصبر على العطش ، قال مجاهد ، وذلك مثال الذي أوتى الكتاب ولم يعمل به ، وقال ابن عباس : إن تحمل عليه الكلمة لم يحملها ، وإن تركته لم يهتد إلى خير كالكلب » .
ثم يصل إلى مثل الكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة وهو ما نراه في سورة إبراهيم يقول : « فشبه سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع ، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون : الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا اللّه ، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة ، فكل عمل صالح مرض له عز وجل ثمرة هذه الكلمة ، وفي قول آخر شجرة طيبة : هو المؤمن أصلها قول لا إله إلا اللّه في قلب المؤمن وفرعها في السماء ، أي يرفع بها عمل المؤمن للسماء ، فإن اللّه سبحانه وتعالى شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة ثابتة الأصل باسقة الفرع في السماء علوا التي لا تزال تؤتى ثمرها كل حين ، وشبه الشجرة الخبيثة بالكلمة الخبيثة التي ليس لها قرار ، فضرب اللّه مثلا للكافر بشجرة اجتثت من فوق