جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزل من السماء متضمنا لحياة القلوب واستنارتها ، ولهذا أسماه روحا ونورا وجعل قابلية الحياة في النور ، وأخبر عن المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي . إنهم بمنزلة من استوقد نارا لتضىء له وينتفع بها ، وهذا لأنهم دخلوا الإسلام فاستضاءوا به وانتفعوا به وآمنوا به وخالطوا المسلمين ، ولكن لما لم يضيء نور الإسلام قلوبهم طغى الظلام على نفوسهم ، ولم يقل نارهم ، لأن النار فيها الإضاءة والإحراق فذهب الله بما فيها من الإضاءة وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، فهذا حال من أبصر ثم عمى وعرف ثم أنكر ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه فهو لا يرجع إليه لذا قال تعالى :
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
.
ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي فشبههم بأصحاب صيب وهو المطر الذي يصوب إذ ينزل من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق ، فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق فلضعفه وخوفه جعل إصبعيه في أذنيه وغمض عينيه خشية من صاعقة تصيبه .
بينما كان المثل المائي والنارى في سورة الرعد في حق المؤمنين فشبه الذي أنزله سبحانه لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات وشبه القلوب بالأودية ، فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا ، وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادى الصغير ، فسالت أودية بقدرها واحتملت قلوبا من الهدى والعلم بقدرها ، كما أن السيل إذا خالط الأرض دمر ما عليها واحتملت غثاء وزبدا ، فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب آثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فيتكدر بها شاربه .
ومن حديثه عن الأمثال في القرآن الكريم يتحدث عن المثل المضروب في سورة الجمعة ، حيث قاس سبحانه من حمّله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ، ثم خالف ذلك ولم يحمله فقرأه بغير تدبر ولا تفهم ، ولا اتباع له وبلا تحكيم له وعمل بموجبه ، كحمار على ظهره أسفار لا يدرى ما فيها وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا ، فحظه من كتاب اللّه كحظ الحمار من الكتب التي على ظهره ، فهذا