تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من المكتبة القرآنية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
وهذا يعنى تحوله ، وازدياد اهتمامه بفهم القرآن في كتابه ( فهم القرآن ومعانيه ) الذي يعد من أهم الكتب في تاريخ التصوف الإسلامي ، ليس لأنه تضمن كثيرا من الآراء الأصيلة فحسب ، ولكن لأنه يشكل برهانا أكيدا على أن التصوف الإسلامي إنما هو إسلامي المصدر يعتمد الكتاب والسنة أصلا له ، وقد اعتمد كثير من الباحثين القدامى والمحدثين على كتاب ( فهم القرآن ) للمحاسبى فيما يتعلق بالتفسير ، وفيما يتعلق بالتصوف وفيما يتعلق بالفكر الإسلامي بوجه عام ، وهذا الكتاب هو أهم ما وصلنا من كتب الحارث المحاسبي ، فهو في مقدمته يتحدث عن منهج العقل المؤمن ويرى أن العقل الذي يزيغ ليس بعقل حق ، ثم يتحدث عن الفرق الزائغة فيركز على الرافضة الذين يهاجمهم في قولهم بتناسخ الأخبار ، ثم يناقش المعتزلة في آرائهم ويناقش مسألة النسخ ، يقول في هذا الفصل : « فأول ذلك معرفة السور المكية والمدنية ، ليعرف أن ما فيها من الأمر والأحكام نزل بمكة أو بالمدينة ، فإذا اختلف ، كان الذي نزل بالمدينة هو الناسخ ، لأنه الآخر في النزول . حدثنا شريح بن يونس قال : حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه قال : ما كان من حد أو فريضة أنزلها الله عز وجل بالمدينة ، وما كان من ذكر الأمم والقرون أنزل بمكة » ، ثم يذكر أسماء السور المدنية ، والمكية . وهو يتحدث عن العقل فيقول : عن الله سبحانه وتعالى : « إنه خاطبهم به من قبل ألبابهم ، فقال :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
، وقال : لقوم يعقلون ، ولقوم يتفكرون ، لأنه جعل العقول معادن الحكمة ، ومقتبس الآراء ، ومستنبط الفهم ، ومعقل العلم ، ونور الأبصار » ، وهكذا يبين كيف اختص الله من خلقه ذوى العقول . أما فصل : فضائل القرآن فيتحدث فيه المؤلف بصفاء نفس واضح ، يقول : « فإن العاقل عن الله عز وجل بدلائل الكتاب مستبصر ، وبحبله من كل هلكة معتصم ، ولربه بتلاوته في الخلوات مناج لأنه بنجاة نفسه مهتم ، ففزع إلى فهم كلام الرب جل وعز ، ليحيى به قلبه ، وينجو به من عقابه ، في يوم يندم فيه الغافلون ، وينحسر فيه المبطلون ، فكفى بكتاب الله عز وجل عن غيب الآخرة مخبرا ، وببصائره للعوام موضحا ، لأن من فهم علم الله عز وجل ذاق طعم حلاوته ، وخالط فهمه لذة مناجاته » .