تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من المكتبة القرآنية — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
واقع . إنه يعود مرة أخرى إلى القول بأن الإيمان الحق هو ما يقوم على العقل ، وأن هناك صلة قوية بين الدين والعلم ، يقول : ( الإيمان ، لسنا نقصد الإيمان الأعمى ، بل الإيمان الذي يسترشد بالعقل والفطرة ، ومعنى الحياة والمثل والتقاليد ، هذه الأمور يوجد فيها الباعث العلمي الذي يسمح لنا بالقول : هذا موجود ، ولما كان المقصود هو توجيه العقل في طريق يختلف عن النتيجة الإمكانية للأشياء فمن المستحيل هاهنا أن يكون العلم كافيا ، ولا تزال عبارة القديس « أوغسطين » التي لفتت نظر « باسكال » صحيحة ، وهي أننا نعمل للمجهول ، والحياة بالنسبة للإنسان الذي يفكر رهان ، ولا يمكن أن نتصور أن تكون غير ذلك . يترتب على هذا الشرط الأول شرط ثان ، فالإيمان ليس بالضرورة قبولا سلبيا لما هو موجود ، على العكس إنه قادر على اتخاذ موضوع لم يوجد بعد ، ولا يبدو أن يكون واجبا ، ولعله يكون مستحيلا لولا هذا الإيمان نفسه ، ولهذا السبب كان الإيمان في الإنسان بوجه عام ، وفي الصفوة الممتازة بوجه خاص ، يولد موضوعا من الفكر يختلف في جدته ، فهو إدراك عقلي أصيل يركز فيه بصره ، والإنسان الذي يريد أن يعمل كإنسان لا بد له من غاية ، وكلما كان الإيمان شديدا قويا كانت هذه الغاية مثلا أعلى يختلف في تميزه وسموه عن الواقع ، فالإيمان أولا لا يبصر موضوعه إلا غامضا ، وعلى بعد في الغيوم ، ولكنه يجتهد في تحديده بما يطابق حاجة العقل والإرادة فهو يحدد شيئا فشيئا كلما عمل على تحقيقه . وأخيرا ينشأ عن الإيمان الخالق والموضوع الذي ينصبه أمامه ، شرط ثالث للفعل هو المحبة ، فالإرادة تعشق مثلها الأعلى بمقدار ما يتلون هذا المثل بظلال أكثر جمالا وحياة بالتأثير المؤتلف من الإيمان والعقل . فهذه هي الشروط الثلاثة للفعل الإنسانى : الإيمان ، والمثل الأعلى ، والحماسة ، ولكن أليست هذه هي بالضبط المراحل الثلاث لنمو الروح الدينية ؟ ألا تعبر هذه الألفاظ الثلاثة تعبيرا أمينا عن الصورة التي تلبسها الإرادة والعقل والعاطفة بتأثير الدين ؟ . فالحياة إذن من أحد وجوهها تعنى من جهة مطامحها المثالية تشارك مشاركة طبيعية في الدين ، وإذ كان من الواضح من جهة أخرى لا من جهة صلة الحياة