العلمية لها وحدها كل ما هو جوهري في العقل البشرى ، وأن جميع الآراء أو النزعات التي بوساطتها تجلت الروح العلمية على مر العصور ، لها في مبادئ العلم تعبيرها الوحيد المحقق والمشروع ، وعندئذ فكل ما هو خارج عن العلم ، فهو من أجل ذلك خارج عن العقل ، وحيث كان الدين بالضرورة شيئا آخر خلاف العلم ، فهو أوليا من بين مواد التجربة الخام التي من شأن العلم أن يحيلها إلى رموز موضوعية ، قادرة أن تصاغ في ثوب من الحقيقة ) .
والواقع أن هذا الرأي في حاجة إلى نقاش ، فالروح العلمية هناك تمتلك جوهر العقل بل تعتمد عليه بالدرجة الأولى ، وهذا حق لكن الشطر الآخر من القضية ، والذي يعنى أن كل ما هو خارج عن العلم فهو من أجل ذلك خارج عن العقل ، هذا الشطر يبنى على أساس واه يجعله غير مقبول في ميدان النقاش ، فافتراض أن الروح الدينية لا تستند إلى العقل افتراض غير علمي وغير موضوعي ، فالعقل البشرى في مجال الاعتقاد أو في الناحية الدينية يستند إلى تراث حضارى ديني يرجع إلى آلاف السنين من عمر البشرية ، كانت البشرية فيه خلال هذا العمر الطويل تحاول - دائبة - التوصل إلى صيغة سديدة في مجال الاعتقاد ، وغنى عن البيان تتبع هذا التسلسل الطويل ، والمحاولات المتعددة التي خاضتها البشرية في هذا الصدد وبتأمل هذه المحاولات بما فيها من صواب وخطأ ، وهدى وضلال ، وصيحات أرضية ووحى سماوي - يمكن أن يصل الباحث إلى حقيقة مهمة ، وهي أنه حين استخدم الإنسان عقله وعمل على ألا يقع في تناقض وأن يضع الأمور في نصابها ، وأن يتغلب على هواه وعواطفه ، وينتصر عليها ، أي يحكم عقله ، وصل إلى الحق ، وحين ارتفع صوت اللّه - سبحانه وتعالى - على لسان رسله باليهودية والمسيحية والإسلام نطق الحق بإعمال العقل والتفكير ، والنظر ، فهذا تساؤل : هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟
وهذا حض على إعمال العقل ، وهذا تساؤل : أفلا يتدبرون ؟ أفلا يعقلون ؟
وغير ذلك مما يكثر حصره من آيات للقرآن الكريم التي تشيد بالعقل واللب والفكر والنظر ، وتأمر بها ، وتلوم من يبعد من نطاقها .
وقد يحلو هنا الرجوع إلى كلام المؤلف ليبدو إيمانه بما نذهب إليه ، أو بما هو
من المكتبة القرآنية — صفحة 195
مساهمون: يوسف حسن نوفل
ص١٩٥