وحدتها ، وعلة في اتخاذها وجهة تشكيلها وتطبع سلوك أفرادها على هيئة خاصة بحسب الدين يعتنقه هؤلاء الأفراد ، ولست تجد أمة تخلو من دين ، حتى البدائيين الذين كانوا يعبدون الحجر ، والشجر ، والشمس والقمر ؛ لأن الدين عبادة تقتضى عابدا ومعبودا ، وتستلزم أن يكون المعبود مقدسا ، وقد مرت البشرية في أدوار كثيرة في تدينها حتى بلغت الأديان السماوية التوحيدية . كان الناس يعبدون مظاهر الطبيعة وكل ما يجلب لهم الخير أو ينزل بهم الضر ، فألّهوا البقر كما ألّهوا البرق والرعد ، ثم انتهى الأمر بالبشر إلى تأليه كل قوة طبيعية ومن هنا نشأ تعدد الآلهة .
ثم أضفى الناس من خيالهم على هذه القوى التي ألّهوا الخرافات ، وحكوا عنها الأساطير فكانت أقدم الديانات عند قدماء المصريين وعند اليونانيين خرافية أو « مثيولوجية » ، ذلك أن تقدم البشرية في البحث والتأمل والتفكير أفضى إلى أمرين :
الأول الخروج من التعدد إلى التوحيد ، كما حدث في عصر أخناتون ، والثاني تجريد الآلهة من مظهرها المادي المتشخص في الميثولوجيا ، واعتبار اللّه الواحد هو القوة العليا والكمال المطلق ليس كمثله شئ .
وتشترك الديانات السماوية الكبرى في اعتقادات تعمها هي الاعتراف بوجود اللّه وأنه خلق العالم بعد إن لم يكن ، وأنه بعث الأنبياء والرسل لهداية البشر ، وأن الناس جميعا على موعد مع اليوم الآخر حيث الحساب ، وحيث الجنة والنار .
وعلى رأس الأمور التي تشغل البال الإيمان بوجود اللّه ، مهما انشغل الإنسان بأمور الدنيا ومهما حاول التغلب على صعابها بوسائل يتخذها في حياته وفي أموره اليومية ، وفي سبيل ذلك يسخر الكون بما فيه لخدمته ومن هنا يأتي العلم ودوره حيث تقدم بخطوات هائلة ، وخصوصا منذ القرن الثامن عشر إلى أن توصل الإنسان إلى معرفة سر المادة وتركيبها وانتقل من عصر البخار إلى عصر الكهرباء إلى عصر الذرة والفضاء .
هذا العلم الذي يقوم على التجريب وعلى المشاهدة ، والملاحظة ، والإحصاء أثار تساؤلا مهما لدى الناس هو : لم لا نطبق المناهج العلمية على الدين وبخاصة بعد تطبيقها على ظواهر إنسانية أخرى مثل النفس الاجتماعية حيث نشأ علمان جديدان هما : علم النفس ، وعلم الاجتماع ؟
من المكتبة القرآنية — صفحة 190
مساهمون: يوسف حسن نوفل
ص١٩٠