تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من المكتبة القرآنية — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
ولكن العهد في هذه وتلك أنها جمل متناثرة ، لا رابط بينها ولا اتساق ، فهل هذا هو الشأن في سورة العلق ؟ الجواب لا ! فهذا نسق متساوق يربط فواصله تناسق داخلي دقيق ، هذه هي السورة الأولى في القرآن ، فناسب أن يستفتحها بالإقراء ، وباسم اللّه : الإقراء للقرآن ، واسم اللّه لأنه هو الذي يدعو باسمه إلى الدين واللّه « رب » فالقراءة للتربية والتعليم : اقرأ باسم ربك . وإنها لبدء الدعوة فليختر من صفات الرب صفته التي بها معنى البدء بالحياة « الذي خلق » ، وليبدأ من الخلق بمرحلة أولية صغيرة : « خلق الإنسان من علق » منشأ صغير حقير ، ولكن الرب الخالق كريم كريم جدا ، منذ رفع هذا العلق إلى إنسان كامل ، يعلم فيتعلم : اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم » . وإنها لنقلة بعيدة بين ذلك المنشأ وهذا المصير ، وهي تصدر هكذا مفاجأة بلا تدرج ، وتغفل المراحل التي توالت بين المنشأ والمصير لتلمس الوجدان الإنسانى لمسة قوية في مجال الدعوة العربية ، وفي مجال التأملات الوجدانية » . ثم ينتقل إلى ما في السور الأخرى من تصور تصدره رجفة الأرض ، وصورة النفخ في الصور وأن يصعق من في السماوات والأرض ، ثم يعرض لتحليل عبد القاهر الجرجاني لصور من القرآن الكريم مثل تحليل قوله تعالى :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
وروعتها التي تفوق تعبيرنا مثلا : اشتعل شيب الرأس ، أو المشيب في الرأس . وهكذا يضع أيدينا على روعة التصوير الفنى في آيات القرآن الكريم جملة وتفصيلا ، ذلك التصوير الحي المنتزع من عالم الأحياء والذي لا يكون ألوانا مجردة وخطوطا جامدة ، هو تصوير تقاس فيه المسافات والأبعاد بالمشاعر والوجدانات ، فالمعانى ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية ، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة . ثم يعرض لنماذج ذهنية تخرج في صورة حية كتحويل عمل الكفار إلى الهباء
من المكتبة القرآنية — صفحة 188 | يوسف حسن نوفل