27 - ( التصوير الفنى في القرآن - سيد قطب ) :
يبدأ المؤلف كتابه منذ السطر الأول بقوله : « لهذا الكتاب في نفسي قصة ، ولقد كان من حقي أن أحتفظ بهذه القصة لنفسي ، ما ظل هذا الكتاب خاطرا في ضميري ، أما وقد أخذ طريقه إلى المطبعة فإن قصته لم تعد ملكا لي ، ولا خاصة بي .
لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير لا ترقى مداركى إلى آفاق معانيه ، ولا يحيط فهمي بجليل أغراضه ، ولكنني كنت أجد في نفسي منه شيئا .
لقد كان خيالي الساذج الصغير ، يجسم لي بعض الصور من خلال تعبير القرآن ، وإنها لصور ساذجة ، ولكنها كانت تشوق نفسي وتلذ حسى ، فأظل فترة غير قصيرة أتملاها ، وأنا بها فرح ، ولها نشيط .
من الصور الساذجة التي كانت ترتسم في خيالي إذ ذاك صورة كانت تتمثل لي كلما قرأت هذه الآية :
« ومن الناس من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ، خسر الدنيا والآخرة » .
يقول : « لقد كان يشخص في مخيلتى رجل قائم على حافة مكان مرتفع :
مصطبة - فقد كنت في القرية - أو قمة تل ضيقة - فقد رأيت التل المجاور للوادي - وهو قائم يصلى ، ولكنه لا يملك موقفه ، فهو يتأرجح في كل حركة ، ويهم بالسقوط وأنا بإزائه أتبع حركاته في لذة وشغف عجيبتين » .
ومن تلك الصور جميعها في القرآن الكريم خطر للكاتب سيد قطب أن يعرض للناس بعض النماذج مما يجده في القرآن من صور ، فنشر في مجلة المقتطف سنة 1939 تحت عنوان ( التصوير الفنى في القرآن ) مقالا تناول فيه عدة صور كشف عما فيها من جمال فنى ، وبين القدرة الفائقة التي تصور ، بالألفاظ المجردة ، ما تعجز عن تصويره الريشة الملونة والعدسة الشخصية ، يقول : « ومرت السنوات وصور القرآن تتخايل لي ، وتتراءى فيها آثار الإعجاز الفنى ، وكلما عدت إليها قوى في نفسي أن أتولى هذا البحث ، وأن أكمله وظللت أعكف على القرآن الكريم بين الحين