يثير فينا مشاعر مختلفة نحو أنواع السلوك فنمتدح بعضها ونستهجن الآخر وفقا لطبيعة هذا السلوك .
غير أن هذا القانون الأخلاقي المنطبع فينا لا يكفى وحده ليكون معيارا لهداية البشر وتوجيههم ، لأن هناك أمورا أخرى تؤثر فينا كالعادة ، والوراثة ، وأثر البيئة ، والمصالح المباشرة مما يجعلها تفسد تلك الفطرية التلقائية في نفوسنا ، من أجل هذا بعث اللّه سبحانه وتعالى الرسل والأنبياء ملهمين بالوحي الرباني توقظ الضمائر ، وتزيل الغشاوة عن النفوس مبينة المثل الأعلى الذي نتجه إليه .
وينتقل المؤلف إلى حقيقة مهمة هي : أنه لا أخلاق بدون عقيدة ، والعقيدة تتصل بالأخلاق ذاتها ، ومعناها الإيمان بالحقيقة الأخلاقية حقيقة قائمة بذاتها « تسمو » على الغرض ، و « تفرض » نفسها عليه بغض النظر عن أهوائه ونزعاته ومصالحه ورغباته ، وهذا سر ما نجده لدى المؤمن الذي يتعرف على هذا النداء الداخلي ، على صوت ربه ، ويتمثل الرسالة السماوية بكل توجيهاتها فيتولد عند الإنسان المؤمن عرف « الالتزام الخلقي » بشريعة اللّه سبحانه وتعالى ، فيلتزم بأوامره ، ويجتنب نواهيه في طريقة واضحة لا هي « الخضوع المطلق » الذي يسلب الإرادة ، ولا هي « الفوضى » التي لا تعرف الحدود .
هذا عن فكرة الالتزام عند المسلم ، تليها فكرة « المسؤولية » وهذه المسؤولية كما أقرها القرآن الكريم تتعلق بالشخصية الإنسانية في معناها الكامل ، فالمسئول ، حسب الشريعة الإسلامية ، هو : الشخص البالغ العاقل الذي بلغته قواعد الدين بشأن التكاليف وكان واعيا لها أثناء سلوكه ، وهو مسؤول عن أفعاله الخاصة الشعورية والإرادية والتي عقد النية عليها ، وهكذا تنتفى فكرة تحويل فضل عمل أو جزائه من شخص لآخر ، وتنتفى فكرة المسؤولية الوراثية أو نحوها ، ولهذا يتحمل الإنسان مسؤولية محددة به ، ترجع إلى اختياره الذاتي الذي ينبع من داخل نفسه ، ولهذا يهتم القرآن الكريم ببيان موقع « النية » وراء العمل ، وأن يكون الهدف للعمل هو ابتغاء وجه اللّه سبحانه وتعالى .
وقد بين المؤلف الدكتور محمد عبد اللّه دراز ، في كتابه الذي بين أيدينا ( دستور
من المكتبة القرآنية — صفحة 161
مساهمون: يوسف حسن نوفل
ص١٦١