الذي يذكر أن الرسالة استغرق إعدادها ما يقرب من ست سنوات حتى نوقشت بباريس في سنة 1947 .
والهدف الرئيسي من هذا البحث يكمن في إبراز الطابع العام للأخلاق المستمدة من كتاب اللّه العزيز ، القرآن الكريم ، وذلك في جانبين : أحدهما نظري ، والآخر عملي .
صحيح أن عددا من فقهاء المسلمين قد بحثوا من قبل في مقاييس الخير والشر ، وأن طائفة من رجال الشرع قد تكلموا في شروط المسؤولية ، وأن بعض الأخلاقيين قد ناقشوا جدوى الجهد الإنسانى ، وضرورة « النية الطيبة » ، وهي جهود للسلف قيمة طيبة . لكنها ظلت متناثرة في مظانها المختلفة متعددة الموضوعات والتخصصات ، ومن الصعب على المحدثين الاهتداء إليها في بطون الكتب وثناياها .
أما الدكتور « محمد عبد اللّه دراز » فقد أخذ على عاتقه في مؤلفه هذا ( دستور الأخلاق في القرآن الكريم ) معالجة مسائل الأخلاق كما هي عند المحدثين في إطار نظرية سماوية كاملة سامية ، وقد ارتاها فرصة علمية ودينية وفكرية أن يناقش الحلول التي جاء بها بعض المفكرين في الشرق أو الغرب متخذا من آرائهم وسيلة للمقارنة جاعلا من القرآن الكريم نقطة ارتكازه ، وموطن بحثه ، ومصدر رجوعه واهتدائه ، ومنارة يشع بها على الفكر العالمي المعاصر .
كان هدف المؤلف الإجابة عن سؤال جوهري هو :
« كيف يصور القرآن الكريم عناصر الحياة الأخلاقية » ؟
ويرتكز المؤلف إلى حقيقة هي أن الحاسة الخلقية انبعاث داخلي فطرى ، وأن القانون الأخلاقي قد طبع في النفس الإنسانية منذ نشأتها ، قال تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
. والحق أن الإنسان يستطيع أن يميز بين ما يقوم به من أنواع السلوك بين ما هو « خير » ، وما هو « شر » ، وما هو « محايد » أي لا ينفع ولا يضر ، مثلما يميز في عالم المحسوس بين « الجميل » ، و « القبيح » ، و « المجرد » من كل تعبير ، ولا يقتصر الأمر على المعرفة ، بل إن مظهر الفعل الحسن أو الفعل القبيح