خرج الشيخ محمد عبده هذه القصة على أنها نوع من التشريع الذي كان موجودا في زمن بني إسرائيل لغرض الوصول إلى معرفة القاتل المجهول في مثل هذه الحادثة ، وشد أزره في ذلك الشيخ رشيد رضا .
ويشير الشيخ محمد عبده إلى الرأي القائل بعدم وجود هذه القصة في التوراة ، وهو يرى أنه منصوص عليها في التوراة ، ويذكر النص من التوراة ، ثم يحدد الشيخ رضا ما ذكره الشيخ محمد عبده ويورد النص من أول الفصل الحادي والعشرين من سفر تثنية الاشتراع ، غير أن الشيخ محمود شلتوت يعلق على ذلك ، فإنه ليس في الآية إشارة إلى تلك التفصيلات التي في التوراة ، ولهذا فإنه يرد على من يؤوّلون المدلول اللغوي للقرآن مثل من يذهب إلى تأويل إحياء الموتى المنسوب لعيسى بالإحياء الروحي ، وحمل النمل في قصة سليمان على أنه قبيلة ضعيفة ، وتأويل الكواكب في قصة إبراهيم بأنها جواهر نورانية نورها عقلي لا حسى ، وما نقله البيضاوي عن بعض الصوفية في معنى المائدة التي أنزلها الله حيث يقول :
« وعن بعض الصوفية : المائدة هي هنا عبارة عن حقائق المعارف فإنها غذاء الروح كما أن الأطعمة غذاء البدن ، وعلى هذا فلعل الحال ، أنهم رغبوا في حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها فقال لهم عيسى . إن كنتم حصلتم الإيمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها . . » .
ويرى الشيخ شلتوت أن هذا المنهج هو من طريقة التأويل التي أسسها الباطنية .
ثم يعرض الشيخ شلتوت لمنهج التمثيل في فهم القصص القرآني إذ هو صرف للألفاظ عن معانيها الحقيقية إلى تخييل ما ليس بواقع واقعا ، فلا يلزم فيه الصدق ولا أن يكون إخبارا بما حصل ، وإنما هو ضرب من القول شبيه بما يوضع من حكايات بين أشخاص مفروضين أو على ألسنة الطيور والحيوان للإيحاء فقط بمغزى الحكاية من الإرشاد إلى فضيلة والحث عليها ، أو التحذير من رذيلة والتنفير منها ، ويستشهد بتعليق لابن تيمية عن التخييل وخطئه ، وللغزالي عن التأويل .
ثم يعرض الشيخ شلتوت لمنهج ثالث هو منهج المسرفين في قبول الروايات ، وهو منهج جمهور المفسرين القائم على الإفراط في تحكيم الروايات الواردة من طرق مختلفة في فهم القصة القرآنية ، واعتبار كل ما ورد متصلا بالقصة بيانا
من المكتبة القرآنية — صفحة 124
مساهمون: يوسف حسن نوفل
ص١٢٤