القرآن الكريم والمعاجم
لا يفوتني أن أذكر أن حركة تدوين القرآن الكريم كانت أسبق زمنا من حركة تدوين اللغة ، وليس هناك كتاب مقدس وصل إلى ذروة التدوين والتوثيق كالقرآن الكريم ، وهذا سر عظمته ، ومفتاح خلوده
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 1 » .
ولقد سجل القرآن الكريم تسجيلا رائعا في مصحف لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ظل « ينقله أهل المشرق والمغرب عن أمثالهم جيلا جيلا ، لا يختلف فيه مؤمن ولا كافر منصف غير معاند للمشاهدة ، لا يشكون ولا يختلفون في أن محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب أوحى به إليه ، وأن من اتبعه أخذه عنه كذلك ، ثم أخذ عن أولئك حتى بلغ إلينا » « 2 » .
وكانت الخطوة الأولى في مجال التوثيق في هذه الفترة كتابته حين النزول ، ومنع كتابة شئ سواه حتى لا يختلط به ما ليس منه .
يدل على ذلك ما رواه سعيد الخدري أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن ، فمن كتب عنى شيئا سوى القرآن فليمحه » « 3 » .
ومع أن أبا هريرة رضى اللّه عنه كان يجيد الكتابة ، ومع ذلك نهى عن كتابة الحديث ، يحدثنا أبو هريرة فيقول : « خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ونحن نكتب الأحاديث فقال : ما هذا الذي تكتبون ؟ فقلنا : أحاديث سمعناها منك فقال : أكتابا غير كتاب اللّه تريدون ؟ ما أضل الأمم من قبلكم إلا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب اللّه تعالى » « 4 » .
ومعنى ذلك أن القرآن الكريم في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان موثقا توثيقا متينا حيث كتب كله بأقلام كتاب الوحي ، وغيرهم من الصحابة الكاتبين . يبد أنه لم يجمع في مصحف .
هامش
( 1 ) الحجر / 9 .
( 2 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 283 .
( 3 ) تقييد العلم للخطيب البغدادي / 29 .
( 4 ) المصدر نفسه / 33 .