منقبا حتى عثر على هذه الأسماء السبعين فنظمها في أرجوزة سمّاها : « التبرّى من معرّة المعرّى » « 1 » .
واضح إذن أن القبيلة الواحدة لم تضع للكلب سبعين اسما ، فالكلب عندها لا يعرف إلا باسم واحد أما هذه الأسماء الكثيرة فإنها أسماء لقبائل متعددة .
إن احترام السماع من العرب مهما كان قليلا لا يرفض ، فاللغة كائن حىّ متطوّر ، فمن الظلم أن نحدّ انطلاقها ، وأن نكتم أنفاسها بهذه القيود الثقيلة التي وضعها « أهل القياس لأن الأقيسة لم تولد نتيجة استقراء كامل ، أو استيعاب دقيق للغة .
رحم اللّه أبا حنيفة فقد طلب النحو في أوّل أمره ، فذهب يقيس ، وأراد أن يكون أستاذا فيه ، فقال : « قلب وقلوب ، وكلب وكلوب ، فقيل له : كلب وكلاب ، فترك النحو ووقع في الفقه » « 2 » .
وما أعظم قول الشافعي في هذا المقام حينما قال : « ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس » « 3 » من أجل هذا يصح لي أن أقول : إن المصيب من يتخذ القرآن الكريم موضع استشهاد في كل ما يصدر ويورد ، وإن من وصل إلى قمة الحق من قال : هكذا قال القرآن ، وذلك لأن القرآن الكريم مصدر موثّق ، لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، نزل بلغة قريش ، وغيرها من لغات العرب ، وكان الأحرى باللغويين جميعا أن يتزاحموا على مورده ، ويسيروا على هديه في كل قاعدة يقعّدونها ، وفي كل مسألة يحرّرونها ، وفي كل مشكلة يحاولون حلها ، والفراء يرد على بعض علماء الشعر ، ورواة الأخبار التاريخية الذين لا يريدون أن يلتمسوا إعجاز القرآن الكريم في قوالبه اللغوية ، بل يرون كمال الفصاحة في لغة عرب البادية ، فيقول رادا على جميع هؤلاء : « إن القرآن أفصح أساليب العربيّة على الإطلاق » « 4 » .
هامش
( 1 ) النقد واللغة في رسالة الغفران للدكتور أمجد الطرابلسي ص 34 - 35 مطبعة الجامعة السورية .
( 2 ) الردّ على الخطيب البغدادي ص 34 ، 35 للملك المعظم عيسى ، مطبعة السعادة ط أولى .
( 3 ) صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام ص 15 للسيوطي مطبعة السعادة .
( 4 ) العربية ليوهان فك ص 4 - 5 بتصرف .