وإن كانت عبارة : » « فرضيه وتقبله » توحى بأن التلميذ يعرض لا ليتلقى الشيخ عنه ، بل ليقر ما يعرض عليه أو ينفيه - لكن قول ابن جنى بعد ذلك « ثم رأيته وقد أثبته . . . » يدل على حال التلقي من الشيخ - وتلك الحال قليلة نادرة على وجه العموم . ولا يقدح ذلك في مكانة أبى على ، بل أرى أن ذلك مما يعلى قدره ، إذ كان دليلا على رغبته في العلم وحرص منه ، وإقبال عليه .
* * * وابن جنى كأستاذه يحتج بالحديث الشريف في المعنى اللغوي ، وتقرير الأصول وشرح مذاهب العرب في كلامها : استشهد في باب القول على اللغة وما هي : بقول الرسول « من قال في الجمعة صه فقد لغا » وفسر لغا بتكلم « 1 » .
وفي تقرير ما ذهب إليه من أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها ، وحملناه عليها قال : « ومن ذلك ما يروى عن النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) أن قوما من العرب أتوه فقال لهم من أنتم ؟ فقالوا : « نحن بنو غيان » فقال : « بل أنتم بنو رشدان » . فهل هذا إلا كقول أهل الصناعة أن الألف والنون زائدتان ، وان كان ( عليه السلام ) لم يتفوه بذلك ، غير أن اشتقاقه إياه من الغى بمنزلة قولنا نحن :
« ان الألف والنون فيه زائدتان » وهذا واضح « 2 » .
* * * ومما يتفق فيه ابن جنى ويتأثر شيخه فيه : اصطناعه أساليب أبى على عند البرهان والتدليل : فهو يورد الاعتراض ويرده « 3 » ، ويفترض الأسئلة ويجيبها « 4 » ، ويبدأ بما أسميته عند أبي على - بالتدليل المؤسس ، ثم يتبعه الدليل المؤكد المقوى « 5 » ، ويقول بالأولى والأجدر « 6 » ، ويسلك سبيل المناطقة - كما يسلك أستاذه سبيلهم - في اتخاذ أساليبهم فيظهر عنده القياس الاستثنائي « 7 » ويذكر العموم والخصوص الوجهى « 8 » ؛ ويقسم التقسيم المنطقي « 9 » : ويناظر ويقايس « 10 » ؛ ويغرم غراما شديدا بذلك حتى أنه يقول : إن مسألة واحدة من القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند
هامش
( 1 ) الخصائص 1 / 32 وانظر ص 13 ، 9 .
( 2 ) الخصائص 1 / 260 .
( 3 ) نفس المصدر 1 / 24 .
( 4 ) الخصائص 1 / 109 ، 209 .
( 5 ) انظر الخصائص 1 / 25 .
( 6 ) انظر 1 / 117 ، 127 ، 279 .
( 7 ) انظر 1 / 336 .
( 8 ) انظر 1 / 15 .
( 9 ) انظر 1 / 329 .
( 10 ) انظر 1 / 112 ، 113 .