فهذه أمثلة توضح الحال الأولى من حالات التفاعل بين الرجلين ، وهي تلقى ابن جنى من الشيخ . وانتقل بعد ذلك إلى تجلية الحال الثانية التي فيها .
( ب ) يتبادل معه البحث ، ويخوضان معا فيه : وذلك حيث يقول ابن جنى :
« دخلت يوما على أبى على ( رحمه اللّه ) خاليا في آخر النهار فحين رآني قال لي :
« أين أنت ؟ أنا أطلبك ! قلت : « وما ذلك ؟ « قال : ما تقول فيما جاء عنهم من « حوريت » فخضنا معا فيه فلم نحل بطائل منه ، فقال : « هو من لغة اليمن ، ومخالف للغة ابني نزار ، فلا ينكر أن يجيء مخالفا لأمثلتهم « 1 » » .
وأخرى حيت يقول : وسألت أبا على ( رحمه اللّه ) عن قوله :
أبيت أسرى ، وتبيتى تدلكى * وجهك بالعنبر والمسك الذكي
فخضنا فيه ، واستقر الأمر فيه أنه حذف النون من تبيتين كما حذف الحركة للضرورة في قوله :
« فاليوم أشرب غير مستحقب »
كذا وجهته معه ، فقال لي : « فكيف تصنع بقوله : تدلكى ، قلت : نجعله بدلا من « تبيتى » أو حالا ، فنحذف النون كما حذفها من الأولى في الموضعين ، فاطمأن الأمر على هذا « 2 » .
وقد يكون شئ من ذلك من قبيل الدربة يلقى بها الشيخ على تلميذه ، لكن نص ابن جنى على أنه هو وشيخه تشاركا في هذا الأمر يميل بي عن ذلك التقدير إلى القول بأن ذلك من قبيل تبادل الحديث ، والخوض معا ، وإلقاء كل منهما بطرف فيه ابتغاء الوصول معا إلى الجواب .
ومن دلائل الحال الثالثة وهي قليلة حيث يتلقى الشيخ من ابن جنى ويتقبل ما يراه ، ما يطمئن إليه ويرضاه « 3 » حتى ليسجله في تعاليقه - ما جاء في الخصائص :
قلت مرة لأبى على ( رحمه اللّه ) : قد حضرني شئ في علة الاتباع في ( نقيد ) وإن عرى . وأن تكون عينه حلقية ، وهو قرب القاف من الخاء والغين فكما جاء عنهم التحبير والرغيف ، كذلك جاء عنهم « النقيذ » فجاز أن يشبه القاف لقربها من الحلق بها ، كما شبه من أخفى النون عند الخاء والغين أيهما بحروف الفم فالنقيذ في الاتباع كالمنخل والمنغل فيمن أخفى النون ، فرضيه وتقبله ، ثم رأيته وقد أثبته فيما بعد بخطه في تذكرته « 4 » .
هامش
( 1 ) الخصائص 1 / 392 .
( 2 ) الخصائص 1 / 394 .
( 3 ) المصدر السابق 1 / 129 .
( 4 ) نفس المصدر 1 / 371 .