منذ سيبويه ومن أتى بعده ، ذلك لأن التصريف كما يقول ابن جنى : « وسيطة بين النحو واللغة يتجاذبانه ، والاشتقاق أقعد في اللغة من التصريف ، كما أن التصريف أقرب إلى النحو من الاشتقاق ، ويدلك على ذلك أنك لا تكاد تجد كتابا في النحو إلا والتصريف في آخره ، والاشتقاق إنما يمر بك في كتب النحو منه ألفاظ مشردة لا يكاد يعقد لها باب « 1 » » .
وبعد : فيبدو أن لزجاجى في الجمل نظر إلى أبى عمر صالح بن إسحاق الجرمي « 2 » ( ت 225 ه ) في « المختصر في النحو » ، فقد قالوا عن الجرمي : « أنه ألف كتابه بمكة ، وكان كلما صنف بابا صلى ركعتين بالمقام ودعا بأن ينتفع به ويبارك فيه « 3 » » ، وقد عرفنا الجو التعبدي الذي أحاط به الزجاجي كتابه الجمل ، تماما على الذي فعل الجرمي من قبل ! ! فهل كان الزجاجي ينظم عمله في سلك الجرمي ؟ ! ، وهل كان يبغى من وراء كتابه الجمل شهرة ونفعا تصلان إلى درجة المختصر ؟ ! ، أما المختصر فقد ظفر من أبى على الفارسي نفسه بتقدير منصف حين قال فيه : « قل من اشتغل بمختصر الجرمي إلا صارت له بالنحو صناعة » « 4 » .
وأما الجمل فقد ظفر كذلك بتقدير الناس على النحو الذي بينت ، ولكن نحو الزجاجي وفيه « الجمل » لا يرضى عنه الفارسي ، فيقول فيه ما قال .
وإلى جانب الأسباب التي ذكرتها سابقا ، والتي خالفت بين الرجلين ، في كتاب الإيضاح عن علل النحو - أذكر هنا أسبابا أخرى تنتظم منهج الزجاجي بعامة ، ثم أتبعها باجمال الأسباب جملة ، ثم أختم هذا الفصل بتقويم لنحو الزجاجي أرجو أن أكون منصفا فيه .
تعرض أبى على للزجاجى بما تعرض به ضرب من تعرضه لمن هم في طبقته من أعلام النحاة ، وأبو علي لم يتعرض لمن هم في طبقته حسب ، بل تجاوزهم إلى الشيوخ ثم كان تعرض أبى على للزجاجى أثرا من آثار ملازمته للزجاج ، فقد ذكرت من الأسباب التي من أجلها تعقب أبو علي الزجاج أنه لازم المبرد ، وكان وفيا له أيما وفاء « 5 » ، ويرد الزجاج على ثعلب خصيم المبرد - فيكون له « الرد على ثعلب في الفصيح » « 6 » . ومعروف أن المبرد نقض على سيبويه ، وأبو علي ينظر إلى سيبويه
هامش
( 1 ) المنصف ص 4 .
( 2 ) نزهة الألباء 102 .
( 3 ) نزهة الألباء 101 .
( 4 ) نزهة الألباء 101 .
( 5 ) الفهرست 93 .
( 6 ) نزهة الألباء 166 .