نظرة الإمام الذي لا يدافع ، ويعتز به وبآرائه اعتزازا ، ومن هنا توارث تلاميذ المبرد اللائذون به سخط أبى على ، كما توارث تلاميذ أبى على دفع ما نقض المبرد على سيبويه ، فهذا تلميذ أبى على الأول : ابن جنى ، يصف المبرد بالمغالطة والوهم في تعقبه سيبويه ، ويرد ما يعقب أبو العباس المبرد على قوله - أي سيبويه : أن أصل اسطاع - أطاع . . . فيقول ابن جنى : « وقد ذهب عن أبي العباس ما في قول سيبويه هذا من الصحة ، فإما غالط وهي من عادته معه ، وإما وهم في رأيه هذا . . .
ثم أخذ يدلل على صحة قول سيبويه « 1 » .
وإذن فقد ورث الزجاجي سخط أبى على ، لصلته بالزجاج الوفي للمبرد المتعقب لسيبويه .
هذا سبب أراه من الأسباب الداعية لأن يضع أبو علي من قدر الزجاجي . . .
والزجاجي في كتبه يوقر المبرد « 2 » ، ويحدث أخباره ، وينتصر له ، فبعد أن أورد ما ذكره الأئمة النحاة في الحدود المختلفة للاسم ، وفسدها واحدا واحدا :
فسد تحديد الأخفش : سعيد بن سعدة ، كما فسد تحديد كل من أبى بكر بن السراج ، وأبى الحسن بن كيسان . ثم ذكر حد أبى العباس المبرد ، ووقف طويلا عنده ، وفسر غرضه من ذلك التحديد ، وبين أن ابن السراج أخذ من المبرد تحديده ، وذكر ما يعترض به على المبرد ، ورد على المعترضين ، ثم انتصر أخيرا له .
وقد بدا لي كذلك أن الزجاجي لم يلحقه من أبى على لأنه معاصر من طبقته ، ولأنه تلميذ موال للزجاج ، ولأنه ينتصر للمبرد . . . حسب ، بل لأنه إلى ذلك قد هاجم سيبويه ، ورأى رأى المخطئين له ، ولم يدفع عنه ، ووصف قوله بأنه خارج عن إجماع النحاة البصريين والكوفيين جميعا :
قال الزجاجي في الوجه الحادي عشر من وجوه الصفة المشبهة : « أجازه سيبويه وحده وهو قولك : مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى الوجه ، وإضافة الوجه إلى المضمر العائد على الرجل ، وخالفه جميع الناس في ذلك من البصريين والكوفيين وقالوا : « هو خطأ لأنه أضاف الشيء إلى نفسه » وهو كما قالوا فافهم « 3 » .
وإذا كان مجرد ملازمة الزجاجي للزجاج قد أورثته حنق أبى على - لما ذكرت - فكيف الأمر والزجاجي يهاجم سيبويه هذه المهاجمة السافرة ، وينبه عليها في عنف
هامش
( 1 ) سر الصناعة 211 .
( 2 ) انظر أخبار الزجاجي ورقة 51 .
( 3 ) الجمل للزجاجى الصفة المشبهة .