وبعد : فالانصاف يلزمني ألا أجرى وراء الفارسي ؛ فأرى رأيه في نحو الزجاجي فنحن لا نزن النحو بموازين الفارسي حسب ، ولا ندور في فلكه : محبا لبعض معاصريه والمتقدمين عليه ، أو كارها لبعض هؤلاء وهؤلاء . نعم ! ينبغي ألا نضع من نحو الزجاجي لأنه لم يلتزم المنطق ، أو التزمه على نحو يتخالف فيه هو وأبو علي بل عندي أن البعد عن المنطق : تعليلاته الجدلية منها بخاصة ، مما يرفع النحو درجات ولا يضع من الزجاجي أنه هاجم حينا سيبويه ، وو في للمبرد . أنا اعترف بأن منزلة الزجاجي دون منزلة الفارسي في النحو والثقافة العربية على وجه عام ، فالفارسى له زعامة وإمامة لم يصل إليهما الزجاجي وأنى له ذاك ! ؟ ، والفارسي كذلك له طريقته المستوعبة المتقصية في تناول مسائل النحو في شخصية طاغية ظاهرة ، ولكني مع ذلك لا أهبط بنحو الزجاجي إلى الدركة التي هبط به أبو علي إليها حتى رماه بالخزى والاستحياء لو تكلم في النحو على نحو من الأنحاء .
نحو الزجاجي في الإيضاح يمثل طورا هاما من نشاط النحويين حول عبارات كتاب سيبويه ، من حيث تفسيرها ، وإدارة الجدل حولها ، وإثارة المناقشات كذلك .
كما أن نحوه في هذا الكتاب وكتاب اللامات ، والأخبار - يمثل طرفا من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين ، واحتجاج كل فريق مع توثيق ذلك بالأسانيد . مما يعد بذرة للأنبارى في الإنصاف ، والعكبري في التبيين . وعلى الدارسين الذين يريدون تأريخ هذا الخلاف ألا ينسوا هذه الحلقة الهامة التي صنعها الزجاجي في سلسلة هذا التطور في الاحتجاج .
كما يمثل هذا الكتاب صلة المسائل النحوية بالمسائل المنطقية من تعليل وتحديد وبرهان ، بل صلة المناطقة أنفسهم بالنحاة ، وتعرض الأولين للآخرين بالنقض والطعن والتخطئة ( انظر ما قاله في تحديد الاسم ) في كتابه الايضاح .
ثم هو يمثل طرفا من أصول النحو ألقى بها في غضون كتبه هنا وهناك . أيحق لنا أن ننكر قيمة نحوه التاريخية بعد ذاك ؟
ولست أدرى مبعث هذا الاحساس الرضى الذي أجده في نفسي عندما أقرأ كتاب الجمل ، وهو إحساس أجده في الكتب التي ألفها أصحابها وهم للّه مخلصون .
هل استجاب اللّه دعاء الرجل حقا عند البيت الحرام فنفع بكتابه الناس ؟ أو لأن أسلوبه فيه سهل سمح خال من التعقيد والتفريع فيعطيك اللباب في كل باب ؟ أو لأنه في جمعه مسائل النحو مجد على المبتدئين والمنتهين أجمعين ، قد يكون هذا أو بعضه ، ولكن الزجاجي على كل حال له مكانة عندي وعند الناس ولا سيما المغاربة ، مما يجعلني أخالف رأى الفارسي فيه ، فأنفى قوله ولا أرتضيه .
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي — صفحة 636
مساهمون: عبد الفتاح اسماعيل شلبي
ص٦٣٦