تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
البركة ، ويرجون الخير مما هو متصل بحسن الطريقة التي تصاحب عملا من الأعمال ، ويتوارث الأخلاف عن الأسلاف هذه العقيدة فيه ، ويندفع الشيوخ المؤدبون ومن ورائهم طلابهم المتلقون عنهم - اندفاعا يشبه أن يكونوا فيه مسحرين . فلعل ذلك بعض السر في إقبال الناس على كتاب الجمل ، واهتمامهم به ، وقد استجاب اللّه دعوة أبي إسحاق ، وبارك له فيما قصد من نية ، وقدم من عمل ، فيحدث ابن خلكان أن كتابه من الكتب المباركة التي لم يشتغل به أحد إلا انتفع به « 1 » ، ويقرر ابن العماد في الشذرات أن المنتفعين به خلق لا يحصون « 2 » ، ويبدو أن المغاربة أغرتهم تلك النزعة التي سلكها الزجاجي في تأليف كتابه فذاع بينهم ، وألفوا له ولشواهده الشروح الكثيرة حتى بلغت هذه الشروح فيما يقال : « مائة وعشرين شرحا « 3 » » . بعضها لأعلام النحاة « 4 » . وقريب من هذا ما قاله الشاطبى في قصيدته إبراز المعاني : لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا ينفعه اللّه ( عز وجل ) لأنى نظمتها للّه ( تعالى ) مخلصا « 5 » » . وشئ آخر أراه أرضى الناس عن كتاب الجمل ، ذلك لأنه كتاب جامع للقواعد النحوية والصرفية في إيجاز يجدى على المبتدئين والمنتهين جميعا : يعطيك القاعدة العامة في جمل بعيدة عن تأويلات المتأولين ، وفي أسلوب سهل لا ترى فيه عوجا ولا أمتا من تعقيدات المعقدين ، وتفريعات النحاة والتجويزات المشهورة عنهم في المسألة الواحدة حتى لتخفى الضوابط ، وتتشعب المسالك . ويظهر أنه قصد قصدا إلى التيسير على شداة العربية ، فسمى كتابه « الجمل » . وفي تلك التسمية إيحاء بالاختصار والتركيز معا . جاء في العسكريات لأبى على بعد أن أورد أحكاما مختصرة في الحروف : وهذه جمل وسنتبع ذلك زيادات في كتاب آخر إن شاء اللّه « 6 » . والزجاجي كذلك حين يتصفح كتابه ، فتراه يصدر الأبواب بهذه القواعد المركزة المختصرة المجملة وبقوله « واعلم » وهي عبارة تلقاك في أغلب الأبواب بل تكاد تتكرر في كل باب ، ويتبعها جمل ضابطة للقواعد في استيعاب
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان 2 / 317 . ( 2 ) شذرات الذهب 2 / 357 . ( 3 ) شذرات الذهب 2 / 357 . ( 4 ) كالأعلم الشنتمرى ( ت 351 ه ) وابن بابشاذ ( ت 469 ه ) وابن الخشاب ( ت 567 ه ) . وابن عصفور ( ت 669 ه ) وابن هشام ( ت 761 ه ) انظر فهرس المخطوطات المصورة 396 . ( 5 ) نفح الطيب 1 / 334 . ( 6 ) العسكريات لوحة رقم 132 .